الأربعاء 17 رمضان / 22 مايو 2019
11:35 ص بتوقيت الدوحة

توازنات الأزمة وتفاهماتها الإقليمية الجديدة

توازنات الأزمة وتفاهماتها الإقليمية الجديدة
توازنات الأزمة وتفاهماتها الإقليمية الجديدة
تميل أدبيات الجغرافية السياسية إلى توصيف منطقة الشرق الأوسط بأنها «قوس الأزمات»، بالنظر إلى عدد الصراعات التي نشبت فيها، ومدى تأثرها وتأثيرها في تفاعلات النظام الدولي خلال العقود الماضية. وربما يتفاجأ المرء بعد تعقب تاريخي (احتلال فلسطين، أزمة السويس، حرب 67، حرب 73، الحرب العراقية الإيرانية، اجتياح لبنان، حرب الخليج الثانية، الانتفاضة الفلسطينية، حرب يوليو 2006، حروب غزة، الثورات العربية) بأن هذه المنطقة استحوذت على النسبة الأكبر من الأزمات الدولية الحادّة منذ الحرب العالمية الثانية، ولا تزال تحتضن واحدة من أخطر الأزمات الدائمة، والتي يعبّر عنها الصراع العربي-الإسرائيلي.
وما يزيد الطين بلة في التوصيف والتصنيف، أن دولنا حبلى بأزمات جديدة أو متجددة؛ ما يجعل تحقيق الاستقرار المستدام في منطقة الشرق الأوسط صعب المنال حالياً، ويفاقم من ذلك موقعها وغناها بالثورات الطبيعية المعدنية؛ ما يعرّضها للاستهداف الدائم من الخارج. ونظراً إلى أن الأمور بخواتيمها، فإن الأزمات عادة ما تفرز في مساراتها المتعرجة توازنات وتفاهمات، أو تحالفات جديدة بين الأطراف المتنافسة، وهو ما جرى مبكراً في الأزمة الخليجية التي تفتّقت فصولها على حصار إنساني لدولة قطر.
ارتكزت دول الحصار في خطواتها التصعيدية ضد قطر على تفاهمات مالية مع الرئيس الأميركي ترمب أثناء قمة الرياض، واعتقدت خاطئة أن امتلاك مفاتيح اللاعب الأهم في النظام الدولي كفيل بتحقيق كل ما تفكر به. لكن حسابات الحقل جاءت مخالفة لحسابات البيدر؛ فقد استطاعت قطر بحكم تحالفها الاستراتيجي مع تركيا سد الثغرة الأمنية/ العسكرية الناجمة عن مخاطر الموقف الأميركي الملتبس.
لم تمانع إيران -التي فهمت مبكراً مضامين الخطوة السعودية- في دخول تركيا بفاعلية على خط الأزمة الخليجية، ورحّبت بدورها الذي أعاد التوازن الهش إلى سابق عهده. أكثر من ذلك، حاولت طهران في ضوء مستجدات الأزمة وتراجع العلاقات السعودية-التركية إلى البحث مع أنقرة عن تقاطعات في ملفات إشكالية كالملف السوري، وهو ما نجم عنه تصريح مفاجئ للرئيس التركي رجب طيب أردوغان باحتمال إطلاق عملية عسكرية مشتركة مع إيران، تحت مسمى «مكافحة الإرهاب».
من جهتها، سارعت قطر إلى الانفتاح على روسيا من بوابة تعزيز قدراتها الدفاعية بمنظومات صاروخية متطورة؛ لضمان حيادها في الأزمة الخليجية من جهة، وللإبقاء على باب مفتوح معها في مفاوضات الحل النهائي للأزمة السورية. وهو الحال ذاته بالنسبة إلى الاتفاقيات العسكرية التي وقّعتها قطر مع إيطاليا، إذ تُفهم في إطار إعادة التوازن للمشهد الليبي، بعد رجحان الكفة لصالح حفتر في الآونة الأخيرة.
على الضفة المقابلة، سلّمت السعودية الملف السوري إلى مصر، كما برز جلياً في تفاهمات الغوطة والمنطقة الوسطى، وتحوّلت المملكة من نهج احتضان المعارضة إلى الضغط عليها، لإبداء مرونة بشأن بقاء الأسد.
ولم يُؤتِ نهجها الجديد في العراق ثماره؛ لأنها دقت الباب الخاطئ (القوى المتحالفة مع إيران). وبخروجها من سوريا، وافتقادها التأثير في عراق ما بعد داعش، بالإضافة إلى الاستنزاف الدائم في حرب اليمن، وأزمتها الأخيرة مع قطر، تبدو السعودية كأسد منزوع المخالب، يُسمع زئيره ولا يُرى فعله، وهذا أسوأ ما يتمناه عاقل في منطقة تضجّ بالجنون.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.