الأربعاء 15 شوال / 19 يونيو 2019
04:58 م بتوقيت الدوحة

سكون

فوضى المصطلحات والأفكار

فوضى المصطلحات والأفكار
فوضى المصطلحات والأفكار
‏من المواضيع التي أُثيرت خلال الأزمة الخليجية موضوع العلمانية، وهو موضوع جدلي يكتنفه الكثير من الإشكاليات؛ فالعلمانية كغيرها من الأفكار والمصطلحات تُنوولت بشكل سطحي، انطلاقاً من التعريف الشائع لها «فصل الدين عن الدولة»، بينما هي منظومة مرنة قابلة للفرز والتطبيق، ولها قراءات مختلفة؛ فهناك العلمانية الشاملة وهي أيديولوجية داروينية، تفصل الدين عن الفضاء العام، وتقف على الحياد إزاء كل الأديان، مثل العلمانية الفرنسية. وهناك العلمانية الجزئية التي تقف على مسافة واحدة من جميع الأديان والحريات، بل تحميها، ووفقاً للدستور التركي «تركيا جمهورية ديمقراطية علمانية اجتماعية»، ونصح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الرئيس السابق لمصر محمد مرسي بالنظام العلماني.
‏ومن هذا المنطلق، يجب توضيح جملة «الإسلام دين ودولة»، بعد رحيل الرسول صلى الله عليه وسلم وانقطاع الوحي، برزت إشكالية شكل الدولة وآلية الاختيار، وكان هناك نزاع على سياسيات الحكم، وبدأت مرحلة المجتمع في إيجاد آليات لحل هذه المشاكل في ضوء «قواعد كلية» تشكّل في كل زمان ومكان البنية التحتية لأي نظام سياسي، وهي الرحمة والعدل والشورى وطاعة أولي الأمر في المعروف، وكان هذا الفراغ التشريعي منطقة عفو للاجتهاد وللاستفادة من تجارب الأمم السابقة. بالإضافة إلى ذلك يجب التفريق بين الأمة الدينية، والأمة السياسية، وهذا ما ورد في صحيفة المدينة التي كتبها الرسول صلى الله عليه وسلم وأُسّست على نمط تعددي وتمييز «الأمة السياسية» عن «الأمة الدينية»، كما ورد في رواية ابن هشام «أن يهود بن عوف أمة مع المؤمنين»، بلغة اليوم: المواطنة.
‏علم الاجتماع يدرك تماماً أن فصل الدين عن الحياة «ما لله لله، وما لقيصر لقيصر» مسألة عبثية. لكن السياسية شأن دنيوي وليست دينياً، وهناك فرق بين مجال العبادات الذي يتقيّد بالنصوص، وبين مجال المعاملات الذي يقوم على مصالح الأفراد، وحينما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «أنتم أعلم بأمور دنياكم»، فقد كان يقرر أن المزارع بإمكانه تأبير النخل بحسب معرفته العلمية الدنيوية، والعلمانية في هذا الشأن لا تدّعي تقديم رؤية دينية شاملة للكون، وإنما هي حل إجرائي يحول دون تحوّل الدين إلى أيديولوجية ودون تسييسه من قبل «الإسلام السياسي»، فكما قال الملك عبدالعزيز: «الدين طير حر، من صاده قنص به». واستناداً إلى ذلك، نجد أوروبا تكتظّ بالمساجد، وهناك قساوسة يطالبون بأن يكون للمسلمين خصوصية في قانون الأحوال الشخصية والقانون المالي؛ لأن الشريعة تحرّم الربا.
‏في كتاب «في نقد الحاجة إلى الإصلاح» لمحمد عابد الجابري، تحفّظ فيه على العلمانية؛ لعدم وجود دولة ثيوقراطية في الإسلام، لكنه طالب بالعقلانية والديمقراطية التعددية، وهما أوسع نطاقاً من العلمانية. وبشكل عام، فكرة الإصلاح تعاني من تكبيلها بالأيديولوجيات والشبهات، والجدل العقيم حول المصطلحات هو سبب عدم الاستفادة من المضمون، وقديماً قالت العرب: «من جهل الشيء عاداه».
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا

تدويل الأماكن المقدسة

13 فبراير 2018

العنف الديني

06 فبراير 2018