الإثنين 15 رمضان / 20 مايو 2019
03:22 م بتوقيت الدوحة

التعصب في حياتي

التعصب في حياتي
التعصب في حياتي
في حياتي مررت بكل التجارب المختلفة من التصوف إلى الليبرالية إلى معاشرة بعد الملحدين واللادينين، ولكن أطرف تجربة مرت بي كانت عندما التقيت بمثقف عربي عراقي وجلسنا سوياً على ضفاف نيل المعادي وهو يحكي لي عن فلسفته في الأديان وكيف يرى أن كل الأديان هي خيط واحد، ولذلك يمكن أن تصلي صباحاً صلاة المسلمين وعصراً تصلي صلاة المسيحين، وليلاً يمكن أن تصلي صلاة البوذيين، وهكذا يكون قلبك مجمع أديان متكامل فتذوب مع الله، كنت أفكر، ترى ما هي الحادثة التي دمرت تلافيف مخ هذا المثقف الطري فجعلته يدمن الشحططه الدينية على أرصفة بيوت العبادة من كل لون، مع الصوفية المصرية كانت تجربتي تجربة قصيرة جداً دخلتها ناقداً وخرجت منها ناقماً، فقد جرى العرف في مصر أنه قبيل امتحانات الثانوية العامة أن يتجه الطلبة إلى المساجد والجري وراء المشايخ كنوع من الحل لمواجهة عقدة الثانوية، وهذا الحل دائماً ما يلجأ إليه عتاة الإجرام في الثانوية والذين هجروا الدروس وخاصموا المناهج فتراهم في هذه الفترة أطلقوا ما استطاعوا من لحاهم والتفوا حول أحد مدعي الصوفية يسيرون خلفه ليل نهار، وكنت أسقط من الضحك عندما استمع إلى أحد المشايخ وهو يتحدث عن سيدنا عمر بن الخطاب وكيف هاتفه ليسأل عنه فرد عليه عمر ثم الخليفة عثمان وإلخ.
خضت هذه التجربة وخرجت منها بعد أن رأيت أحد أبناء الطريقة يسأل من هو أخير منه في الطريقة عن سيجارة أهداها له واحد من خارج الطريقة هل هي حلال أم حرام؟، فكشف لي السؤال أن الصوفية المصرية أغلبها دجل وأكثرها تعصب فخرجت بغير رجعة، مع الجماعات الإسلامية وكانت منتشرة في الجامعات وتحكم قبضتها على بعض المجتمعات الصغيرة كان لدي عداءات مع بعض ممن كانوا ينتمون إليها ورأيت فيهم التعصب الأعمى لآرائهم، ولكن أطول فترة مررت بها هي فترة معايشتي لأبناء تيار الحداثة والتنوير، فقد عاشرت هذه الطائفة بأعلامها وأقزامها، وهذه الطائفة تحديداً علاقتها بالأديان كعلاقة ريا وسكينة بالشرطة، دفعتني تجربتي القاسية مع التيارات الدينية إلى الإيمان الكامل بتيار الحادثة وتبني مفاهيمه التي كان يفتقدها أصحاب التيارات الدينية في مصر، وأهمها حرية الرأي والفكر والعقيدة، إضافة إلى أن تيار الحادثة يملك وسائل تعبير يكفرها أبناء التيارات الدينية، مثل السينما والمسرح والتلفزيون والأغاني.. إلخ، من هذه الوسائل التي عشقتها وهجرها المتعصبون واعتمدوا في هجرها وتكفيرها على استغلال غيرهم لها استغلالاً فاضحاً أحياناً، ومسفاً في كثير من الأحيان، وأسقط هؤلاء من حساباتهم تجارب ناجحة لتلك الوسائل وأنها وسيلة وليست غاية، حتى جاء انقلاب يونيه ٢٠١٣ فإذا آخر هذه الأصنام الليبرالية تتهاوى بعد فض اعتصام رابعة وما تلاه من مجازر لم يحدث مثلها في التاريخ إلا على أيدي الطغاة الذين لطالما تشدق الليبراليون المصريون بالسخرية منهم والحط من شأنهم، كانت أصنام الليبراليين تتصدع أمامي وأنا أراهم يمنحون البركة للطاغية السيسي، فإذا (حرية الفكر والرأي والعقيدة) وهي أهم رايات التنوير تلوث بدماء البسطاء من المصريين، عندها أدركت بأنه لا فرق بين متعصب يرفع راية الدين ومتعصب يرفع راية التنوير فكلاهما واحد وإن اختلفت راياتهم، وكلاهما مقموع وقامع، فإذا اختلفت مع أحدهم انزاح القناع من فوق وجهه وظهر لك وجهه (سيسي) حقيقي يتخفى مرة خلف قناع الدين ومرة خلف قناع التنوير وأهلاً بالمعارك.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا

البشر والحجر

16 نوفمبر 2017

الإرهاب المحتمل

26 أكتوبر 2017

«يوم أن تحصى السنون»

16 أكتوبر 2017

مصر التي ...

05 أكتوبر 2017

المستبدون الأحرار

28 سبتمبر 2017