الثلاثاء 21 شوال / 25 يونيو 2019
11:17 م بتوقيت الدوحة

تصريح العتيبة.. عزف على وتر مقطوع

تصريح العتيبة.. عزف على وتر مقطوع
تصريح العتيبة.. عزف على وتر مقطوع
عشية اجتماع المنامة التشاوري لدول الحصار، صرح سفير دولة الإمارات في واشنطن بأن الدول الأربع تريد رؤية حكومات علمانية في الشرق الأوسط، والسفير العتيبة رجل دبلوماسي يعي ما يقول، ويعرف تماماً الأعراف الدبلوماسية، لذا فعندما يتحدث نيابة عن دول الحصار فهو يعني ذلك، خصوصاً أننا لم نسمع أي اعتراض من تلك الدول على هذه التصريحات، لذا نحن أمام مشهد من التناقضات يدعونا لفهم واستيعاب الرسائل الجلية والخفية لذلك التصريح، وتحليلها واستنباط ما وراءها من أهداف.
أولاً: يجب أن نفرّق بين أنظمة الحكم في دول الخليج، والتي تبدو متشابهة من حيث إنها وراثية، إلا أن هناك اختلافات جوهرية في ظروف نشأتها، فليست جميعها ترجع في الأصل إلى «ولاية المتغلب» كما يسميها البعض، فهناك أمثلة في الأنظمة الخليجية تجسد الإجماع والتوافق الشعبي على شخصية ذات نفوذ انطلق منها نظام أصبح وراثياً فيما بعد بتوافق شعبي أيضاً، وذلك لأسباب عدة، من أهمها: نزاهة الحاكم، وعدله، وحسن تدبيره شؤون الحكم، كل ذلك انعكس على مستوى الاحترام والود المتبادل بين الشعب والقيادة، ورفع سقف مصداقية النظام، إضافة لوجود آليات رسمية وغير رسمية تجسّد صورة من صور المشاركة الشعبية في القرارات المصيرية، ويتطلع الشعب لتطوير تلك القنوات لتصبح مشاركة رسمية بالمعنى المتعارف عليه، ويعبر بعض المواطنين علناً عن ذلك على وسائل التواصل الاجتماعي، دونما خوف من الاعتقال، أو الملاحقة القانونية.
ثانياً: العلمانية تعني تغييب الدين تماماً، وعدم اعتباره في الحياة، عدا ممارسات وطقوس شخصية، أي بمعنى آخر إلحاد الدولة، وعدم الاعتراف بالأديان في أي ممارسة من ممارسات الدولة، وليس كما يشاع من أن العلمانية هي فصل الدين عن الدولة، ليتوهم البعض أنها مجرد عدم تسييس الدين فقط. وبما أن بعض أنظمة دول الحصار التي يدعي العتيبة أنها تريد رؤية حكومات علمانية في الشرق الأوسط، تستمد شرعيتها من تبنيها نظام الدولة الدينية التي ترعى مصالح المسلمين، فإن مجرد التفكير في التحول للعلمانية يفقدها تلك الشرعية، ويدخلها في أتون فوضى على كل الجبهات لا يمكن لأحد التنبؤ بأبعادها، كما أن أنظمة الحكم في الخليج قبلية وراثية، لذلك لا يمكن أن تسعى دولة من الدول الخليجية طواعية إلى العلمانية بمضمونها وآلياتها الغربية، وهذا لا يعني عدم تجاوبها شكلياً مع الضغوطات الخارجية والداخلية، ومن ثم إرجاع الوضع إلى ما كان عليه بعد زوال تلك الضغوطات.
ثالثاً: كيف يتسنى لأنظمة دول الحصار، بما فيها النظام المصري، التحوّل إلى العلمانية بمفهومها الغربي، وهي تخرق أبسط المبادئ الديمقراطية؟ فتلك الدول تفرض وصايتها على شعوبها، وتمنعها أدنى الحقوق البشرية، تمنعها الإحساس والتعاطف، وتسيس المشاعر في عصر التواصل الاجتماعي بين شعوب الأرض جميعاً. هي أيضاً تحاول فرض وصايتها على الدول الصغيرة في المنطقة، وشراء مواقف الدول الضعيفة الأخرى، كل ذلك أمام مرأى ومسمع الدول العظمى المنافقة التي تدعي أنها ترعى حقوق الحيوان، ثم تغض الطرف عن ممارسات دول الحصار غير الإنسانية، مقابل صفقات السلاح وأكياس الدولارات. إن من أبسط مبادئ العلمانية إطلاق الحريات، ومنها حرية التعبير، فضلاً عن التعددية الحزبية وباقي المنظومة العلمانية، لذا فإنه من السذاجة أن يفهم من تصريح العتيبة رغبة دول الحصار في التحول للعلمانية.
لذا لم يبق من تفسيرات منطقية ممكن أن نقرأها في تصريح العتيبة سوى الآتي:
أولاً: أن دول الحصار تريد أن ترى دولاً علمانية من غير دول الخليج، أي المقصود دول الربيع العربي، وذلك لقطع الطريق على أي حزب إسلامي للوصول إلى السلطة، لذلك تجدها تدعم الثورات المضادة التي يتصدرها العلمانيون في كل دول الربيع العربي، أمثال السيسي وخليفة حفتر وعلي صالح وغيرهم، المهم ألا يصل رئيس يمثل الشعب أو محسوب على حزب يرفع شعار الإسلام، أو يتخذ من الدين منهجاً لحكم الدولة، حتى لو جاء به الشعب بكل أطيافه، فإنه يعتبر مصدر خطر على أنظمة دول الحصار.
ويمكننا القول إن دول الحصار تعمل على منهجية مزدوجة، فهي من جهة قاومت، ولا تزال تقاوم، المطالب والتحركات الشعبية السلمية لتغيير الأوضاع القائمة في المنطقة العربية، تلك المطالب التي كان سقفها الإصلاح ومحاربة الفساد ورفع الظلم، قبل أن يتحول الأمر بسبب تلك المقاومة المدفوعة الأجر إلى مطالب بإسقاط النظام. ومن جهة أخرى تعمل على ضمان علمنة الدول التي خرجت عن السيطرة، بمعنى الضغط بشتى الوسائل لتحويل دول الربيع العربي إلى دول علمانية تدور في فلك دول الحصار.
ثانياً: كان مقصوداً أن تفهم تصريحات العتيبة في واشنطن على أن دول الخليج تعمل على التحوّل العلماني، والهدف الأول من ذلك هو محاولة دول الحصار كسب تأييد غربي لمواقفها في الأزمة الخليجية، أما الهدف الثاني فهو إرسال رسالة مفادها أن دول الحصار تدور في الفلك «الترمبي»، ومنفتحة أكثر من ذي قبل، وجاهزة لشرق أوسط جديد، بشرط ضمان استمرارية أنظمتها التي بدت مهددة وجودياً من الداخل والخارج، بسبب تقديراتها الخاطئة وتحركاتها غير الموفقة، وذلك لا يخفى على من يرى مشهدها السياسي والاقتصادي والاجتماعي بعين فاحصة.
ثالثاً: تصريح السفير العتيبة من العاصمة الأميركية لم يكن عشوائياً، بل كان محاولة منه لقلب الطاولة، وكسب مواقف سياسية عن طريق المتاجرة بأهم قضايا الأمة لمصالح ضيقة وأهداف قصيرة المدى. إن الدول العلمانية التي يدعي العتيبة أن دول الحصار تريد أن تراها في المنطقة ستكون بلا شك كياناتٍ عميلة ممسوخة تستغلها دول الحصار، لتمرير أطروحات الشرق الأوسط الجديد.
وأخيراً نتساءل: هل تسعى دول الحصار عبر تصريح العتيبة للحصول على تأييد غربي لحملتها المسعورة ضد قطر؟ الجواب نعم، فإذا ما استدعينا إلى المشهد اتهام أبوظبي لقناة الجزيرة بمعادات السامية، يتضح لنا أن المراد من تصريح العتيبة عن رغبة دول الحصار برؤية دول علمانية في المنطقة، هو أن يوهم الأوساط السياسية في واشنطن أن تلك الدول تنوي القيام بإصلاحات سياسية جذرية، تمهّد لقبول التطبيع مع إسرائيل، وأن قطر حجر عثرة في طريقها، وذلك باحتضانها قناة الجزيرة، تلك القوة الناعمة التي لا تفتأ عن رصد تحركاتهم المشبوهة، وسبر أغوارها، وكشفها للجمهور بكل مهنية.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا

كن كالماء

26 أبريل 2018

بوصلة الأذكياء

27 نوفمبر 2017

كلام في الفكر

13 نوفمبر 2017

كن شجاعاً

09 نوفمبر 2017

حاجز الوهم

30 أكتوبر 2017