الأحد 21 رمضان / 26 مايو 2019
05:52 ص بتوقيت الدوحة

60 يوماً من الانتصار

60 يوماً من الانتصار
60 يوماً من الانتصار
بعد 60 يوماً من الحصار، أعدنا اكتشاف قطر من جديد، قطر الإنسان والإمكانيات.. قطر القيادة والشعب.. قطر الروح الجديدة التي سرت في هذا الجسد أكثر من أي وقت مضى.
كما قال سمو الأمير المفدى -حفظه الله ورعاه- لدى ترؤسه الاجتماع العادي لمجلس الوزراء: «إن قطر بالنسبة لنا وللجميع في شهر يونيو 2017 تختلف عن قطر في السابق، فلنا تاريخ نفخر ونعتز به، ولكن ما حدث في شهر يونيو 2017 قوّانا ودفعنا لمزيد من العمل لصالح هذا الوطن».
طوال العقود الماضية من عمر تأسيس هذا الوطن، على يد المؤسس -المغفور له بإذن الله- الشيخ جاسم بن محمد بن ثاني سارت قطر، قيادة وشعباً، على نهج واضح وأصيل، يرتكز على القيم والمبادئ والأخلاق المنبثقة من تعاليم ديننا الإسلامي الحنيف وتقاليدنا العربية الأصيلة، ولم تتزحزح عنها أبداً، رغم ما تعرضت له قطر في مراحل مختلفة من ضغوط، وفترات فيها من قسوة الحياة الشيء الكثير، لكن رغم كل ذلك كانت المبادئ والقيم هي المحرك.
اليوم ونحن نبدأ شهرنا الثالث من الحصار الجائر، أتاحت لنا هذه الأزمة معرفة قدرات قطر، الإنسان والوطن، أعادت لنا اكتشاف ما لدينا من إمكانيات وقدرات، كنا بأمس الحاجة إلى «أزمة» تفجّر ما لدينا من طاقات.
كان التوقع لدى دول الحصار أن صمود قطر لن يتجاوز 48 يوماً، حتى ترضخ لمطالبنا غير القانونية، وتقبل بالوصاية على سيادتها وقرارها، وتغض الطرف عن تدخلنا في شأنها الداخلي، وتقدم لنا ما نريد، وتضع تحت تصرفنا ثرواتها نفعل بها ما نشاء.
نعم هذه كانت رغبة هذه الأطراف المعتدية، لكنها فوجئت بالموقف القطري، فوجئت بتصرف القيادة الحكيمة لسمو الأمير المفدى -حفظه الله وسدد على طريق الخير خطاه- فوجئت بإدارتها للأزمة، وتعاملها مع تداعياتها، وانفتاحها على العالم بكل ثقة واقتدار، مع التفاف شعبي من المواطنين والمقيمين حول قيادة سمو الأمير المفدى، تجلّى في صور شتى، وظهرت وحدة وطنية بصورة أبهرت العالم، وهو ما أزعج دول الحصار التي حاولت الإيحاء بالفصل بين الشعب وقيادته، فكان الفشل الفاضح والذريع من نصيبها، كما هو في مختلف مساعيها.
هذا الفشل على صعيد عدم القدرة بالمساس بالوحدة الوطنية مواطنين ومقيمين، وعدم التمكن من اختراقها، هو ما دفع تلك الدول لتشديد قبضتها الأمنية على شعوبها، خوفاً من الانفلات والتململ والمطالبة بإنهاء الحصار، ورفض كل الإجراءات التي اتخذتها ضد قطر، فما كان من دول الحصار إلا أن فرضت عقوبات بالسجن والغرامات لمجرد «التعاطف» مع قطر، وهو أمر لم يحدث أن عاقبت دولة شعبها على «مشاعره» أو «أحاسيسه»، حتى في أقسى عصور الظلام التي عاشتها الأمم والشعوب منذ قبل الميلاد، ففرعون لم يعاقب زوجته التي «تعاطفت» مع طفل واستضافته في قصرها، رغم أن فرعون أصدر قراراً بقتل جميع الأطفال، لكنه لم يمنع «التعاطف»، بينما هذه الدول تعاقب على التعاطف، بل أقدمت على ما هو أقسى من ذلك، عندما منعت التزاور والتواصل بين الأهل والأقارب، وقطعت الأرحام، ووصل الأمر إلى طرد المعتمرين من بيت الله الحرام، وهو أمر لم تقدم عليه حتى قريش في جاهليتها.
الأزمة علمتنا دروساً بالغة الأهمية، ربما كنا سننتظر سنوات حتى نتوصل إلى جزء مما قدمته لنا هذه الأزمة، فشكراً دول الحصار على ذلك.
اليوم روح جديدة تسري في قطر، ليس فقط على صعيد الدولة ومؤسساتها، وإن كان هذا الأمر في غاية الأهمية، لكن قبل ذلك على صعيد الأفراد، الذين تغيرت نظرتهم وطريقة تفكيرهم، فكانت هذه الأزمة انعطافة إيجابية نحو حياة أكثر جدية بالنسبة للمواطن والمقيم، وهو ما سينعكس بالتالي على سير الحياة في قطر.
هذه الأزمة جعلت من قطر مختلفة عن ذي قبل، وهو ما يجعلنا نؤرخ لهذه المرحلة التي نمر بها، ولن يكون مستغرباً في سنوات مقبلة، عندما نتحدث عن أحداث معينة، أن نقول هل حدثت قبل الحصار أم بعده؟ كون هذا الحدث نقل قطر إلى مرحلة جديدة، في الفكر والإدارة والرؤية والاستراتيجية.
كما أن هذه الأزمة قدمت قطر في المشهد الدولي بصورة مثلى، ولو أنفقنا الملايين لما حققنا ذلك، فإدارة القيادة للأزمة، وتعاطيها مع ملفاتها، وتعاملها مع تداعياتها، قدمت قطر على أنها دولة مؤسساتية، تحترم تعاقداتها والتزاماتها، وأنها المؤهلة لأي تعامل، والأكثر صدقية، بينما الآخرون قدموا دولهم على أنها دول لا مؤسساتية، يديرها أفراد بعيداً عن أنظمة الدولة، وليست لديها رؤية، ولا تلتزم باتفاقياتها، ولا تعير التفاتة للقوانين الدولية، وظهر هذا الأمر في كل ما اتخذته من إجراءات منذ اللحظة الأولى لفرض الحصار، بل إن أمرها زاد افتضاحاً مع مرور كل يوم، لتنكشف حقائق مؤلمة بالنسبة لتلك الدول، بدءاً من اختراق وقرصنة موقع وكالة الأنباء القطرية، مروراً بالحملة الإعلامية المنظمة والمرتبة التي شنّها المحاصرون على قطر، والتي اعتقدوا أن سيناريو إسقاط الرئيس المنتخب والشرعي في مصر الدكتور محمد مرسي عبر التجييش وتغييب الوعي، يمكن تكراره في قطر، لكن خاب ظنهم وانقلبوا خاسرين، وما رافق الحملة من تحريض وقذف للأعراض وإساءات للرموز لم تألفها المجتمعات الخليجية، وإسفاف وبذاءات كسرت كل المحرمات المتعارف عليها، ثم الحصار الذي صحا عليه الخليجيون والعالم فجأة دون مقدمات، والذي لم يتوقف عند حصار وإغلاق، بل وصل إلى قطع للأرحام وطرد للمعتمرين، ثم محاولات تقديم الرُّشا لدول لقطع علاقاتها مع قطر، ثم تقديم مطالبات تتضمن 13 مطلباً غير قانوني، وانتهاء بممارساتهم غير الأخلاقية وغير الشرعية في كل خطواتهم، حتى أصبحوا «أضحوكة» العالم والشعوب.
وسبحان الله كل التهم التي اتهموا بها قطر، إذا بهم يقدمون على فعلها واحدة تلو الأخرى، بدءاً بادعاء علاقات مميزة مع إيران، وإذا بنا نكتشف أن هذه العلاقات تقيمها دول الحصار مع الجارة إيران، سواء كان ذلك على الصعيد الاقتصادي بين الإمارات، التي تتجاوز تعاملاتها
الـ 22 مليار دولار سنوياً، أو اللقاء الحميمي الذي سعى إليه عادل الجبير وزير خارجية السعودية مع وزير خارجية إيران مؤخراً في تركيا، والاحتضان الذي بدأه الجبير، بعد أن سعى إلى ظريف مسرعاً، أو الاتهام بعلاقات مع منظمات إرهابية، وإذا بنا نكتشف تاريخاً أسود لتلك الدول مع دعم الإرهاب وتمويله وإنشاء تنظيماته، وما تفجيرات 11 سبتمبر والمشاركون فيها ومصادر التمويل إلا خير دليل، وبالمناسبة زعيم طالبان السابق الذي اغتالته أميركا زار الإمارات 19 مرة، وأول من اعترف بحكومة طالبان كان كل من السعودية والإمارات، التي غضب وزير خارجيتها عبدالله بن زايد عندما طلبت الولايات المتحدة الأميركية أن تكون قطر هي المكان لإجراء مفاوضات لإطلاق سراح جندي أميركي محتجز لدى طالبان، ثم اتهام قطر بأنها قامت بدفع مليار دولار لميليشيات عراقية لإطلاق أبنائها المختطفين، وأن لديها علاقات خاصة بتلك الميليشيات، ليتم الاكتشاف أن ما قدمته قطر لم يتجاوز 300 مليون دولار، وقدّم للحكومة العراقية، وبعلم جميع الأطراف، بما فيها الإدارة الأميركية، وإذا بنا نرى أن قادة الأحزاب والميليشيات العراقية تتوافد على الرياض وليس الدوحة.
لقد كشفت لنا هذه الأزمة أطرافاً وأفراداً عدة كنا نعتقد أننا وأنهم «إخوة»، وإذا بين يوم وليلة نتحول بالنسبة لهم إلى «أعداء»، حتى أولئك الذين كانوا يجالسوننا ويخالطوننا ـوكثير منهم كان يعمل في قطر أو يتردد عليها بكثرة، أصبحوا يتلفظون ضد قطر وشعبها بألفاظ لا يجوز أن تقال للعدو من باب الأخلاق، فما بالكم بالأخ والشقيق والجار، وسقطت أقنعة الزيف التي كان بعضهم يرتديها ويقابلنا بها.
بالمناسبة، ربما هناك أمران لم تشهدهما جزيرة العرب منذ نحو 1450 عاماً، الأول فيما يتعلق بحصار قطر، حيث لم يحدث بهذه الصورة وهذه الشمولية للجغرافيا والبشر، إلا في حصار شعب أبي طالب، في بداية البعثة النبوية، بل إن حصار قطر تجاوز ليشمل أيضاً الحيوان.
والأمر الآخر هو عدم تمكّن أهل قطر من تأدية مناسك الحج، فلأول مرة منذ أن فُرض الحج ينقطع أهل قطر عن موسم الحج هذا العام 1438 هـ، بسبب الإجراءات التي فرضتها السلطات السعودية، والعراقيل التي وضعتها أمام الجهات الرسمية وحملات الحج القطرية، وهو ما عرقل الجهات المعنية عن إتمام تسيير رحلات الحج للمواطنين والمقيمين، حيث أغلقت سفارة السعودية أبوابها في قطر، فلم يتمكنوا من استخراج تصاريح السفر.
شهران من الحصار وقطر اليوم أكثر قوة وثباتاً من ذي قبل، قطر ما بعد 5 / 6 / 2017 ليست مثل قطر قبل ذلك التاريخ، ولن تعود إلى ما كانت عليه قبل هذا التاريخ، لقد جرت مياه كثيرة، وتغيرت أمور عديدة، لقد بدأنا مرحلة جديدة، وسنكمل طريقنا بعزم أشد، وإرادة قوية وصلبة، وخيارات متعددة، ومنهاج عمل أكثر وضوحاً، ورؤية واضحة المعالم، واستراتيجيات مختلفة عن ذي قبل.
قطر بدأت وعلى الآخرين أن يلحقوا بها..
شكراً لكم دول الحصار
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.