الثلاثاء 17 شعبان / 23 أبريل 2019
01:42 م بتوقيت الدوحة

المفكر والديكتاتور

المفكر  والديكتاتور
المفكر والديكتاتور
«لا حول ولا قوة إلا بالله» بهذه العبارة استطاع عبدالله النديم أن يرعب خادمه المطيع، فقد قالها النديم وهو يصرخ منزعجاً، كان النديم هادئاً جداً قبل أن يمسك بالجريدة المشؤومة، فلما فتحها وقرأ ما فيها تخلى عن هدوئه وصرخ «لا حول ولا قوة إلا بالله» وأمال رأسه يميناً ويساراً في أسى شديد، سأل الخادم سيده النديم: مالك يا شيخنا خيراً؟ .. فقد كان الخادم مصدر إزعاج شديد له، بعد أن ملّ من طول فترة هروبه مع سيده، فمنذ فشل الثورة العرابية، والقبض على كل زعمائها استطاع عبدالله النديم -خطيب الثورة العرابية- أن يهرب مع خادمه بعيداً عن أعين البوليس، ورصدت السلطات وقتها مكافأة ألف جنيه لمن يرشد عنه، فظل النديم وخادمه يهربان من مكان إلى مكان، وتنكر النديم في أزياء مختلفة ،، وبعد فترة ليست قليلة ضاق الخادم بطول فترة الهروب، وحن إلى أهله، وطلب من النديم أن يتركه يعود إلى أهله، ولكن النديم كان يدرك أن الخادم ربما لو عاد إلى أهله، وتحت ضغط يمكن أن يشي به إلى السلطات، حاول النديم أن يقنع الخادم بالمنطق وبالحجج بعدم جدوى عودته إلى أهله، ولكن الخادم أصر على العودة، ولما كثر بكاء الخادم ، أدرك النديم أنه لا فرار، إلا بعمل حيلة لهذا الخادم حتى يثنيه عن قراره هذا، فطلب منه أن يشتري جريدة، وجلس النديم وأمامه خادمه في مكان اختبائهما، وفتح النديم الجريدة ثم صرخ بأسى شديد «لا حول ولا قوة إلا بالله» وأمال رأسه في حزن شديد، سأله الخادم: خير يا مولانا؟ فقال النديم إن السلطات رصدت ألف جنيه لمن يرشد عني، ورصدت أيضاً خمسة آلاف جنيه لمن يأتي برأسك، ولما كان الخادم أمياً لا يقرأ ولا يكتب، فلم يكن أمامه إلا تصديق سيده، الذي فكر في هذه الحيلة الماكرة، كي يتخلى الخادم عن فكرة الرحيل، صُدم الخادم ، وأدرك أن مصيره مع سيده حتى آخر المشوار، وبقي بالفعل مع سيده تسع سنوات كاملة.
هذه الواقعة القديمة ذكرتني بما يفعله السيسي مع شعبه، ولا أقصد هنا أن أدعي أن النديم مثل السيسي، أو أن النديم كان ديكتاتوراً مثله، ولكن القصة مغزاها واحد وهدفها واحد، فقد حرم السيسي الشعب من كل طاقة نور، ومن أية معارضة محترمة، ومن أي فكر آخر غير فكره العقيم، حتى يستطيع إبقاء شعبه حوله حتى آخر العمر، وهكذا هو دائماً فكر الديكتاتور الذي يغلق على شعبه حتى يستطيع أن يحكمه، السيسي يقول لشعبه «ما تسمعوش كلام حد غيري»، يكرر ذلك أكثر من مرة، بل إنه طلب من ممثلي الإعلام أن يصنعوا للشعب «فوبيا إسقاط الدولة»، لم نرَ حاكماً يطلب جهاراً نهاراً من إعلامه هذا الطلب الفج، وبما أن السيسي أصبح موضة في المنطقة العربية، فقد حذا حذوه كل الحكام العرب، وأكبر مثال على ذلك هو فضيحة حصار قطر، فالحكام العرب يعاملون شعوبهم على أنهم جهلة أميون لا يقرؤون ولا يكتبون، ويجب ألا يقرؤوا أو يكتبوا، فيكيلون الجهالات عن قطر، ويروجون عنها الشائعات، الفارق الجوهري في القصتين أن الديكتاتوريين العرب يبقون شعوبهم على جهالاتهم، بينما النديم تفرغ أثناء فترة هروبه لكتابة عشرين مؤلفاً، ولم ينسَ أن يعلم خادمه المطيع القراءة والكتابة والشعر وفنون الأدب، وذلك هو الفرق بين صاحب الفكر والديكتاتور.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا

البشر والحجر

16 نوفمبر 2017

الإرهاب المحتمل

26 أكتوبر 2017

«يوم أن تحصى السنون»

16 أكتوبر 2017

مصر التي ...

05 أكتوبر 2017

المستبدون الأحرار

28 سبتمبر 2017