الأحد 23 ذو الحجة / 25 أغسطس 2019
02:23 م بتوقيت الدوحة

لكل باغ مصرع

لكل باغ مصرع
لكل باغ مصرع
نهاية مَلِكْ
إنها قصة ذلك الملك المغرور الذي تحالف مع الغرب، طمعاً في السيطرة وبسط النفوذ، واستغل الدين في حربه الاقتصادية والسياسية، واقتضم الأراضي الشاسعة، وحاول منع الحجيج من بيت الله الحرام فمن هو؟ وما هي قصته؟
عندما يكون خطيب الجمعة باحثاً عن كل مفيد، باذلاً جهده في التجديد، مقدراً لمنبره وتأثيره في جموع المصلين، يأتيك بالدرر والدروس والعبر، لقد كان عنوان خطبة الجمعة الماضية «تأملات في سورة الفيل»، وبعد انقضاء الخطبة استأذنت الخطيب أن أكتب هذا المقال المستلهم من خطبته المليئة بالشواهد والعبر.
نعلم أن سورة الفيل من قصار السور، لكنها جاءت لتخبر النبي -عليه أفضل الصلاة والسلام- عن خبرٍ جلل حدث في عام ولادته، ومع أن قريشاً اتخذت من ذلك العام عاماً للتأريخ، وتناقلت أخباره حتى وصلت إلى مسامع النبي، إلا أن الله قد أراد أن يخص نبيه بهذا الخبر وتفاصيله، من مصدر موثوقٍ لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فكانت سورة الفيل بآياتها الخمس شاهداً على ما حدث، ومفصلاً لذلك المشهد المهيب.
القصة مرتبطة باليمن السعيد، تلك الأرض التي فرضت عليها جغرافيتها أن تكون مطمع الملوك على مر الأزمان والعصور، وكلنا يعرف موقع اليمن الاستراتيجي، وتحكمه في أحد أهم الممرات المائية في العالم، لقد كانت اليمن عرضة لصراع أعظم إمبراطوريتين في التاريخ القديم وهما فارس والروم.
الغريب في الأمر أن كلتا الإمبراطوريتين تحالفتا مع القبائل العربية، التي كانت تقطن شمال جزيرة العرب، فتحالف الغساسنة مع الرومان، وتحالف المناذرة مع الفرس، وخاضوا معهم حرباً بالوكالة ضد الرومان ما بين 613–614م، كانت أعين الروم على خيرات اليمن وتجارتها، ولكنهم كعادتهم في إخفاء أهدافهم وتحريك وكلائهم تحت ذرائع تستغل عاطفة الشعوب -كما يفعل الإعلام الأسود في واقعنا المعاش- وعلى إثر المجزرة التي قام بها آخر ملوك حمير «ذو نواس» والتي تعرف بـ «الأخدود»، استغل الإمبراطور الروماني «جستنيان» تلك الحادثة، وبذريعة نصرة الدين والانتقام للمسيحيين، تحالف عسكرياً مع ملك الحبشة، وأمده بالسفن الحربية، وأوعز إليه بغزو اليمن في العام 516م، لكن اليمن كانت عصية على الغزاة، فاستمرت الحرب عشر سنوات، حتى تمكن الغزاة من بسط سيطرتهم عليها في العام 525م، ويرى بعض المؤرخين أن الأهداف غير المعلنة للتحالف الروماني الحبشي على اليمن كانت اقتصادية بحتة، حيث كان الحميريون يهددون المصالح التجارية للدولة البيزنطية.
وبعد أن بسط التحالف سيطرته على اليمن، أصبح أبرهة الأشرم والياً على اليمن، وقد تعلم من أسياده الرومان قواعد اللعبة الخبيثة -لعبة استغلال الدين والأهداف غير المعلنة- فبنى كنيسةً عظيمةً في صنعاء، وأخذ ينشر دين المسيحية، وأرسل إلى النجاشي يخبره أنه قد بنى له كنيسة، وأنه عازم على أن يصرف العرب عن الحج إلى الكعبة، ليتوجهوا بالحج إلى كنيسته، ثم ما لبث أن أخذ به الطمع والغرور، فانقلب على النجاشي ونصب نفسه ملكاً على اليمن، لقد كانت الأهداف غير المعلنة لأبرهة من بناء الكنيسة هي الفوائد المادية من الحجيج، فكان رد العرب أنهم رفضوا وصايته عليهم، وتدخل الملك المغرور في شؤونهم، وقام أحد العرب بقضاء حاجته في الكنيسة وعبث بأثاثها وانتهك حرمتها، فغضب أبرهة وأقسم أن يهدم الكعبة، ويرغم العرب على الحج إلى كنيسته، لكن غضب أبرهة هذا وتوعده بهدم الكعبة أيضاً لم يكن للدين كما يدعي، بل كان ذريعة للسيطرة على الحجاز وتوسع مملكته.
بدأ بتجهيز جيش جرار، وجعل على مقدمة الجيش فيلاً ضخماً يسمى «محمود»، والفيل بمثابة سلاح الدروع في الجيوش العصرية، حتى أنه يشبه الدبابة إلى حد كبير، فبإمكان الفيل هدم أي منزل في طريقه، وله جلد تعادل سماكته ثلاثة عشر ضعف سماكة جلد الإنسان، أي أنه يقاوم ضربات السهام.
توجه أبرهة بجيشه إلى الكعبة، وفي الطريق حاول بعض العرب مقاومته، ولم يستطيعوا إلى ذلك سبيلاً، حتى وصل إلى الطائف، وكان فيها «بيت اللات» فخشيت ثقيف أن يهدمه أبرهة، فقالوا له إن الكعبة في مكة، وأرسلوا معه دليلاً يقال له أبو رغال، وقد توفي في الطريق، وقريباً من مكة استولى أبرهة على أموال قريش وغيرها من القبائل، فهمت قريش وبعض القبائل أن تقاتل أبرهة، فلما تبين لهم قوة جيشه وعظمته علموا أنهم لا طاقة لهم بذلك، وآثروا أن يخرجوا من مكة ويصعدوا الجبال على أن يروا بيت الله يهدم من هذا الملك المغرور، الذي سيمنعهم من عبادة الله والحج إلى بيته الحرام بعد عامهم هذا.
«إنه فكر وقدر فقتل كيف قدر»، الموقف رهيب مع اقتراب ساعة الصفر، وهاهو الملك المغرور أبرهة على وشك أن ينفذ خطته المشؤومة، تلك الخطة التي كلف الإعداد لها ميزانية الدولة أموالاً طائلة، وجند لها الكثير من الرجال الذين بنيت عقيدتهم القتالية على أساس ديني، وهو الهدف المعلن للقيادة كما أسلفنا، أما أبرهة فقد بدأ حال وصوله إلى الحجاز بتنفيذ بعض أهدافه غير المعلنة، وتجلى ذلك في الاستيلاء على أموال قريش وبعض القبائل.
«ولا تحسبن الله غافلاً عما يعمل الظالمون إنما يؤخرهم ليومٍ تشخص فيه الأبصار»، أمر أبرهة الجيش بالتحرك في اتجاه الكعبة، وفي مقدمة الجيش الفيل العظيم المسمى «محمود»، وخلفه العديد من الفيلة التي تشكل كما قلنا سلاح المدرعات، وفجأة برك الفيل في مكانه لا يريد التوجه إلى الكعبة، لقد تعطل سلاح المدرعات، ذلك السلاح الذي لا يقهره إلا سلاح الجو، سادت حالة من الترقب على كل الجبهات، وكان أهل مكة يرقبون الجيش من فوق الجبال المحيطة.
إن الله يمهل ولا يهمل، لقد أمهله الله يخطط وينفق الأموال ويتكلف عناء ومشقة التحرك بهذا الجيش العظيم من صنعاء اليمن إلى مكة، حتى تعظم الخسارة، وتعظم العبرة، وما إن دنا الملك المغرور لمبتغاه، ولم يحل بينه وبين هدم الكعبة حائل، وفجأة وبدون مقدمات إذا بسلاح طيرانٍ من نوع خاص، يملأ الأفق حاملاً أسلحة دمارٍ شامل، ولا يكاد يحدث أي صوت أو ضوضاء، كما تفعل الطائرات في زماننا، إنها ليست طائرات كالتي نسمع عن ضرباتها الذكية كما يدعون، ثم يكون معظم ضحاياها من الأبرياء، إنها سلاح رباني موجه بدقة، لدرجة أنه يتعامل مع الأفراد فرداً فرداً، إنها طير الأبابيل، التي تحمل حجارةً من سجيل، فجعلت القوم كعصف مأكول، بما فيهم الملك المغرور، ولم يكن ذلك نصراً لتلك القبائل العربية التي كانت مغلوبةً على أمرها فحسب، بل كان انتصاراً لليمن أيضاً، فاعتبروا يا أولي الألباب.

وصدق القائل «لكل باغٍ مصرع»
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا

كن كالماء

26 أبريل 2018

بوصلة الأذكياء

27 نوفمبر 2017

كلام في الفكر

13 نوفمبر 2017

كن شجاعاً

09 نوفمبر 2017

حاجز الوهم

30 أكتوبر 2017