الأربعاء 13 رجب / 20 مارس 2019
04:49 ص بتوقيت الدوحة

حصار «الجمل»

448
حصار «الجمل»
حصار «الجمل»
على غرار موقعة الجمل أسميت مقالي، حيث كانت الإبل جزءاً من مشهد الحصار الجائر على قطر، ذلك الحصار الذي لا يختلف اثنان على ما يلحقه بالدول من أضرار وإرباك لعجلة التنمية، وأثر على سير الحياة الطبيعية، فهو سلاح فتاك رادع قد تستخدمه بعض الدول ضد أعدائها حتى يهدد بانهيار الاقتصاد، ومن ثم الاستسلام والانصياع للإملاءات والشروط، لكن القصة مختلفة كل الاختلاف في حصار قطر شكلاً ومضموناً، إنه حصار بطعم العقاب الجماعي لكل من يعيش على أرض قطر وامتداده الأسري في منطقة الخليج، مذكراً بسور برلين، أو جدار الفصل العنصري في إسرائيل، ففي العاشر من رمضان الماضي تفاجأ المواطنون والمقيمون بإعلان دول الجوار الخليجي حصاراً برياً وجوياً وبحرياً وأسرياً، وامتد ليشمل حصار العواطف والمشاعر، وبدا المشهد وكأن طبول الحرب تضرب، وارتفعت حالة التوتر والترقب لدرجة أن بعض الأمهات كنّ يتروعن عند سماع أصوات الألعاب النارية في ليالي رمضان، تلك التي كانت من الأمور العادية في ليالي الشهر الفضيل. لقد أصبحنا فجأة في مواجهة مباشرة مع أنظمة الحصار، لم يفرق متخذ هذا القرار الظالم بين كبير وصغير، ولم يقم وزناً للعلاقات الأسرية، ولا الروابط العائلية المتجذرة بين شعوب المنطقة، ولم يراع الحصار أدنى مستويات الإنسانية للمرضى والعوائل والأطفال والشيوخ، بل زجّ بالجميع في أتون السياسة، حتى البهائم طردت، وكأنها أصبحت مصدر خطر على عقول بهائم القوم.
لقد بدا المشهد صادماً للجميع، عدا صناع القرار في دول الحصار، وكأنهم لا ينتمون لكوكبنا، فضلاً عن الانتماء لدول الخليج العربي، الذي لم يشهد مثل هذا التصعيد اللامسؤول، والذي يعكس مدى الإفلاس والعجز عن مواصلة اللعبة السياسية، واحترام قواعدها، لقد بدا واضحاً فشل ساسة القوم في مواجهة نظرائهم من أبناء الوطن الذين أتقنوا فن السياسة، وأبهروا الداخل القطري، قبل الخارج، بدفاعهم الباسل وبكل الوسائل الأخلاقية النزيهة عن قطر، ورغم حداثة عهدهم بهذا النمط من الأزمات المفتعلة والمتداخلة والحساسة، إلا أنهم استطاعوا فك رموزها، وحل شفرتها، معتمدين من بعد الله سبحانه وتعالى على دعم قيادتهم وشعبهم، وإيمانهم الراسخ بعدالة قضيتهم، ورجاحة موقفهم، إنهم حقاً جوارح يوم الفداء.
ومن العجيب أن هذا الحصار فتح آفاقاً من حرية التعبير وعفوية المشاعر، وشجّع الكثير من الذين لا يلقون بالاً للسياسة من آبائنا وأمهاتنا وحتى الأطفال، على التفاعل مع الأزمة، والمتابعة، والاستماع للتحاليل والتقارير الإخبارية، ما رفع الوعي لديهم والثقة بصلابة موقف قيادتهم، وقد انبرى أغلب المواطنين وإخواننا من المقيمين للدفاع عن موقف القيادة السياسية في كل وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، والذود عن وطنهم بكل مهنية وموضوعية وقيم، برهنت للعالم على مدى رقي المجتمع القطري بكافة شرائحه، ومختلف أطيافه.
وفي المقابل، أدرك المواطن والمقيم على هذه الأرض الطيبة، مقدار الجهد الذي تبذله حكومة قطر لتفادي تأثير الحصار على نواحي الحياة، خصوصاً الاقتصادية منها، والتي بدت طبيعية للغاية، حيث لم نشهد هلعاً أو تكالباً على تخزين الأغذية والسلع، بل على العكس من ذلك بدأ الجميع يتحدث عن مؤسسات الدولة بفخر واعتزاز، لقد أثبتت هذه الأزمة أننا بالفعل في دولة مؤسسات ذات مصداقية وبنية متينة، مما رفع رصيد الثقة والاحترام لمؤسسات الدولة لدى الداخل والخارج.
سينتهي الحصار لا محالة، ونحن واثقون كل الثقة من تجاوز هذه الأزمة وآثارها، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه من الخاسر في هذه الأزمة؟ قد يكون من السهل أن نتحدث عن المنحة في هذه المحنة، رغم مرارتها، لقد منحنا الله بصبرنا في هذه الأزمة قوة وانسجاماً في جبهتنا الداخلية، لقد تلاشت كل مظاهر التفرقة من طوائف ومذاهب وألقاب وألوان، والتحم الجميع بالقيادة، وأصبحوا ينتسبون إلى قبيلة قطر، لقد كانت الأزمة درساً عملياً لأدب الخلاف، ودرساً في السياسة، ودرساً في الأخلاق والنزاهة، ودرساً في الصبر، كانت الأزمة وما زالت مليئة بدروس القيم والعبر التي لم نكن لنصل إليها في هذه الفترة الوجيزة، لولا هذه المحنة، مما سيجعل مستقبل قطر في اعتقادي أفضل بكثير مما تم التخطيط له.
وفي الختام، أتمنى أن نقوم بمراجعات لسياساتنا في كافة المجالات، على ضوء ما نمر به من منعطف تاريخي غير مسبوق، وأن تنعكس كل مخرجات هذه الأزمة والدروس المستفادة منها، وبطريقة إيجابية، على مخططات التنمية في جميع المجالات الواردة في رؤية قطر 2030، وذلك لنضمن المزيد من الرفاهية والعيش الكريم لهذا الجيل، والأجيال القادمة. وفي المقابل أتمنى من شبابنا أن يكونوا قد وعوا الدرس، وعلموا أن دوام الحال من المحال، وأن الدول لا تبنى إلا على يد الرجال المخلصين، الذين هم على قدر من المسؤولية والجدية والطموح والولاء والانتماء للوطن، وأنه لا مستقبل لوطن تتفشى بين أفراده الطائفية والعنصرية، أو الاتكالية والكسل، أو الأنانية واللامبالاة بمكتسباته.
حفظ الله دولتنا حكومة وشعباً
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا

كن كالماء

26 أبريل 2018

بوصلة الأذكياء

27 نوفمبر 2017

كلام في الفكر

13 نوفمبر 2017

كن شجاعاً

09 نوفمبر 2017

حاجز الوهم

30 أكتوبر 2017