الخميس 19 شعبان / 25 أبريل 2019
01:22 م بتوقيت الدوحة

مأزق دول الحصار بعد خطاب الثبات

مأزق دول الحصار  بعد خطاب الثبات
مأزق دول الحصار بعد خطاب الثبات
منذ جرى الإعلان، مساء الجمعة الماضي، عن إلقاء حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، خطاباً إلى الشعب يتناول الأزمة الحالية مع بعض الدول «الشقيقة» بالمنطقة، حبس جميع المهتمين بالأزمة أنفاسهم، انتظاراً للخطاب المشهود، وهو الأول لصاحب السمو منذ تفجرت الأزمة، التي لم تخطر على بال أشد المتشائمين لسير الأحداث في منطقة تحاصرها أزمات من كل جانب، كانت تتطلب تضافر جهود أبنائها لمواجهتها، وليس اختلاق أزمة جديدة، وحصار شعب شقيق تشهد له كل الأحداث أنه لم يفعل سوى الخير لبيته الخليجي الكبير.
وكنت على قناعة تامة، بأن مضمون الخطاب، أياً كانت لغته ومفرداته ولهجته، سيكون في صالح الشعب القطري، وكذلك شعوب المنطقة، فهذا ما تعودناه من صاحب السمو الذي يتعامل بحكمة ولغة هادئة مع كل الملفات التي يعاصرها، منذ توليه مسؤولية القيادة، ويتعامل مع كل أبناء الخليج كأنهم أبناء لقطر دون النظر إلى جنسياتهم.
وبدأ الخطاب، وتوالت الجمل والعبارات التي تحمل مواقف دولة قطر الراسخة، منذ بدأت الأزمة. لم يحمل الخطاب لهجة تصعيدية أو مهادنة، لكنه جاء بلغة الواثق من مواقفه، والمدعوم بظهير شعبي حقيقي، يدرك أن قطر وقيادتها تدفع ثمن المواقف المستقلة، والنجاحات التي تحققها الدولة على مختلف الأصعدة، حتى صارت بقعة ضوء مشعّة في منطقة مظلمة بالجمود والتصلّب، وسياسات عفا عليها الزمن.
إن المطلوب هو إطفاء بقعة الضوء هذه، وإعادة قطر إلى التغريد داخل سرب «الطاعة العمياء»، والتوقّف عن التنمية التي تضع الآخرين في مأزق حقيقي أمام شعوبهم.
لكن خرج خطاب «تميم المجد» ليؤكد أن قطر ستواصل السير على نفس الخطى، دولة فتية تنطلق للأمام، في تكاتف بين شعب مسالم، لكنه يرفض الرضوخ، مع قيادة شابة تحمل في تكوينها حكمة وسياسة عقلانية شهد بها المراقبون والمتابعون لنهج الدوحة في التعاطي مع مختلف الأحداث، ومنها الأزمة الحالية.
الخطاب في مجمله -كما أسلفت- يأتي لصالح الشعب القطري والأشقاء في المنطقة، فلا يختلف أحد مع الحوار والحل القائم على مبدأين: الاستقلالية، وعدم الإملاءات، وأن يكون إنهاء الأزمة قائماً على التزامات لجميع الأطراف.
إن خطاب صاحب السمو يضع أسساً وقواعد صحيحة وصحية للعلاقة المستقبلية بين دول المنظومة الخليجية، علاقة تقوم على إطار عام يرتكز على «المشتركات» لا «المتنافرات»، وأنه لا يضير أحداً أن يكون لكل دولة رؤية قد تكون مختلفة عن رؤية غيرها تجاه هذه القضية أو تلك. وكم كان «تميم المجد» معبراً بواقعية عن هذه النقطة في خطابه، حينما أكد أن قطر لم تحاول أن تفرض رؤيتها على غيرها، وبالتالي لا يصح ولا يستقيم سياسياً الاتهام المضحك لدول الحصار تجاه «كعبة المضيوم» بالتغريد خارج السرب، لمجرد وجود نظرة معينة لها إزاء بعض الملفات، وأنه يجب إجبارها على الالتزام بسياسة دول الحصار الخارجية أياً كانت نتائجها أو كوارثها على الأمة، وتشهد على ذلك الملفات التي حملوها هنا وهناك.
بعد انتهاء خطاب صاحب السمو تلقيت العديد من الاتصالات من أشقاء عرب، أشادوا فيها بمضمون الخطاب الواقعي والعقلاني، والذي برأيهم وضع مسؤولي دول الحصار في مأزق حقيقي أمام المجتمع الدولي، بشأن نواياهم تجاه قطر وشعبها، وهل حقيقة يريدون هدوء المنطقة أم إشعالها، في محاولة للتغطية على فشلهم في سياسات داخلية ومغامرات خارجية، كان نتيجتها تبديد ثروات شعوبهم على أنظمة سياسية وكيانات إرهابية تنشر الخراب في ربوع العالم العربي.
رغم جُرح الألم من «حصار الأشقاء» لنا، فإنني -وكل قطري محب لجميع أهلنا في خليجنا الواحد- أتمنى أن تتغلب لغة الحكمة والعقل عند مسؤولي دول الحصار، وأن يكفوا -بحسب الإشارة بالغة الدلالة في خطاب صاحب السمو- عن إهدار الجهود في سياسة «الكيد» للشقيق بالمحافل الدولية، وأن ينظروا نظرة «عقل» إلى إعلامهم بالتوقف عن التشهير والخوض في الأعراض، فهذا المستوى المعيب لا يليق بعاداتنا وقيمنا في المنطقة، ولا يصح أن يتعلموا من «الإعلام السيسي» أسوأ ما فيه.
نحمد الله أننا في الإعلام القطري لم ننزلق لهذا الوحل الأخلاقي، ونعاهد صاحب السمو أن نظل على نفس نهجنا، وستبقى قطر بقعة ضوء في المنطقة، شاء من شاء، وأبى من أبى.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.