السبت 16 رجب / 23 مارس 2019
07:28 م بتوقيت الدوحة

خطاب الأمير.. مرحلة جديدة تدخلها قطر

334
خطاب الأمير.. مرحلة جديدة تدخلها قطر
خطاب الأمير.. مرحلة جديدة تدخلها قطر
في كل المحطات الفاصلة، والمراحل التاريخية المهمة من عمر دولتنا ومجتمعنا، كان الحرص واضحاً من القيادة الحكيمة على إشراك المواطن في ما يجري، وإطلاعه بكل شفافية على مجريات الأمور، ليكون بذلك جزءاً من منظومة القرار، ومشاركاً في رسم حاضره ومستقبل أبنائه، ومتفاعلاً مع قيادته.. وواعياً بكل ما حوله من أحداث، وما يترتب على ذلك من تداعيات..
هذه الثقة المتبادلة بين القيادة والشعب لا تفهمها دول أخرى، لذلك كان رهان دول الحصار أنها -من خلال «الفبركات»، التي نسجتها لتفتح بها هجومها اللاأخلاقي على قطر وقيادتها وشعبها- سوف تضرب هذه الوحدة الوطنية لتفككها تالياً، ارتد إلى نحورها، ولم تعرف أنها بذلك قد عززت بشكل غير مألوف الوحدة الوطنية، وبعد أن فشلت جولة «الفبركات»، قفزت هذه الدول إلى محطة الحصار التي كانت «وبالاً» عليها، وعرّتها بشكل فاضح، ليس فقط أمام شعوبها والشعوب الخليجية والعربية، بل أمام الرأي العام الدولي، والمجتمع الدولي بأسره، وهو ما دفع المحاصرين لتكميم أفواه شعوبهم، عبر قرارات وعقوبات لم يشهد لها التاريخ من قبل مثيلاً، بأن قام نظام بفرضها على شعبه، وهذا دليل على هشاشة العلاقة القائمة بين هذه الأنظمة وشعوبها، وأن العلاقة بينها وبين شعوبها قائمة على «ما أريكم إلا ما أرى»، على عكس ما هو حاصل في قطر، بين قيادتها وشعبها، مواطنين ومقيمين، فالجميع في مركب واحد، يشكلون لُحمة وطنية متآزرة ومتكاتفة.
خطاب حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى حفظه الله وأعزه، رسخ مجدداً القيم والأخلاقيات، وأعاد للأذهان المبادئ التي تتحرك بها قطر، قيادة وشعباً، قيم وأخلاقيات تمثل مرتكزات في كل مجرى حياتها في الداخل، وعلاقاتها مع الخارج، لا تتزحزح عنها ولا تتبدل، وهو ما أثبتته جميع الأحداث.
لقد تعرضت قطر، قيادة وشعباً.. لعدوان جائر، وحصار ظالم، لم يستثنِ شيئاً أبداً، كسر كل المحرمات المتعارف عليها بين العرب منذ الأزل، حتى الأعراض التي كانت العرب أيام الجاهلية قبل الإسلام تتحاشى الحديث عنها، أو الانزلاق إليها، أقدمت دول الحصار ومرتزقتها على الخوض فيها، فكان هذا الأمر امتحاناً صعباً أمام قطر، هل تعرض عن هذا الأمر أو تنزلق إليه بالرد على ما تتلقاه من تشهير وقذف وسب..؟ فاستطاعت أن تسمو فوق كل ذلك، وتتمسك بالأخلاق التي طالما كانت مرتكزاً في التعامل مع جميع الأطراف، فلم ينجر أهل قطر إلى مستنقع الردح والقذف والتشهير.. فقدموا نموذجاً راقياً في التعامل مع دول الحصار وإعلامها المرتزق، فكانوا خير من طبق ما قاله الإمام الشافعي:
يخاطبني السفيه بكل قبح
فأكره أن أكون له مجيبا
يزيد سفاهة فأزيد حلماً
كعود زاده الإحراق طيبا

رغم كل هذا التشويش والافتراء الذي مارسته دول الحصار بإعلامها ومرتزقتها، إلا أن الرؤية أمام قطر، قيادة وشعباً، كانت واضحة، فلم يستطيعوا أن ينالوا منهم شيئاً، وانقلب السحر على الساحر، فارتفع الوعي لدى الشعب القطري ومن يعيش على هذه الأرض الطيبة، فكان الالتفاف حول القيادة والالتحام صفاً واحداً، والتنادي للقيام بمبادرات فردية وجماعية بأبهى صورها، للتعبير عن ولائهم للوطن والقيادة، دون أن يطلب أحد منهم ذلك، إنه الحس الوطني، والولاء لهذا الوطن وقيادته، التي لا تتوانى عن تسخير مقدرات وخيرات وثروات الوطن من أجل بناء الإنسان وتوفير العيش الكريم والرفاهية له، وهو ما جعل قطر اليوم تتصدر المؤشرات الدولية، سواء أكان ذلك على صعيد التعليم أو البحث العلمي أو الاقتصاد أو دخل الفرد أو الاتصالات أو الأمن والسلم.. وهذا لم يتأتَ إلا من خلال قيادة نذرت نفسها لخدمة الوطن والمواطنين، عبر تخطيط سليم، واستثمار صحيح، وتوظيف للثروات بصورة نزيهة، وإلا فإن هناك من الدول من تمتلك ثروات أكبر وأكثر من قطر بكثير، لكن شعوبها ترزح تحت خط الفقر، وتعاني البطالة، كون العدالة الاجتماعية غائبة، والفساد مستشرياً، والمحسوبية تتقدم على الكفاءة..
لقد كسبت قطر من هذه الأزمة ثقة العالم أجمع، وكسبت دول وشعوب العالم، لمصداقية موقفها، وعدالة قضيتها، وشفافية طرحها، وانفتاحها وترحيبها بالحوار، إلا أن الطرف الآخر كان عاجزاً عن التجاوب مع الطرح القطري، ومعلوم أن دول الحصار حتى اللحظة لم تستطع أن تقدم ولو دليلاً واحداً يدين قطر على كل التهم والمزاعم التي تحدثت عنها، وفي كل مرة كان الهروب إلى الأمام عبر فبركة المزيد من الادعاءات، واتباع سياسة «اكذب.. اكذب» سبيلاً لها، ظناً أن العالم سوف يقتنع بذلك، ولم تعرف تلك الدول أن زمن هذا الأمر قد ولى، وأنه لا يمكن تغييب وعي الشعوب الحرة، التي ضحت بالكثير من أجل تحقيق مكاسب للبشرية من العدالة والقيم الإنسانية، ولا يمكن التفريط بها، تحت أي ظرف كان، ترغيباً أو ترهيباً، لذلك فقد فشل المحاصرون فشلاً ذريعاً، خاصة مع الدول التي لديها رأي عام تحترمه، فاعتقدت دول الحصار أنه بإمكانها شراء «ذمم» تلك الدول، لكنها تفاجأت أنه حتى الدول الفقيرة لا يمكن شراؤها بالمال، فهذه الدول والشعوب لديها كرامة وإرادة، وأنه ليس كل شيء يمكن شراؤه بالمال، فالقيم والمبادئ لا يمكن أن تتخلى عنها الدول والشعوب الحرة، فظهرت دول الحصار بانكسار وهوان..
أخطأت دول الحصار باعتقادها أنه بإمكانها «شراء» مواقف دول وشعوب، واستعدائها ضد قطر، وما فهمت تلك الدول أن هناك مبادئ ضحت الإنسانية من أجلها، ولا يمكن التراجع عنها، وأهم هذه المبادئ هي سيادة الدول وإرادتها المستقلة، والأمر الآخر حرية التعبير والحق في الوصول إلى المعلومة.
لقد خاضت قطر، خلال العقدين الماضيين، تحديات من أجل الانتصار لقضايا الشعوب العربية في حقها بالحصول على المعلومة، فأنشأت قناة الجزيرة في 1996، التي كسرت احتكار المعلومة لدى الأنظمة العربية، التي يمارس الكثير منها الكبت والاستبداد وقمع الحريات وتكميم الأفواه، إلا أن قطر دافعت عن هذا المنجز، ولم تتراجع عنه، فـ «الجزيرة» اليوم لم تعد قطرية بل هي ملك للشعوب العربية بالدرجة الأولى، ولا يمكن التراجع عن هذه المكاسب، وهذا المنجز الإعلامي، الذي غير وجه الإعلام العربي، وغير المشهد الإعلامي في الوطن العربي.
إلى هذه اللحظة لم تستوعب أنظمة عربية أن العالم قد اختلف، وأنه بوسع طفل صغير أن يمثل مؤسسة إعلامية كاملة، من خلال جهاز هاتف لا يتجاوز سعره 500 ريال، لكن هذه العقليات إلى الآن لا تفهم ذلك، وتصر على تجهيل شعوبها، وفرض القمع الإعلامي عليها، ومصادرة حقها المعرفي عبر المنع والإغلاق لمواقع إخبارية وإعلامية تختلف معها في وجهات النظر، بل إن الأمر وصل إلى أن تتهم هذه الدول كل من يخالفها الرأي أو لا يسير في ركابها بالإرهاب، وهي الموضة الجديدة، وسلاح يشهر بوجه كل المخالفين، وبالمناسبة دول الحصار حاولت أن تستخدم تهمة الإرهاب لإلصاقها بقطر، وقطر آخر دولة يمكن أن تتهم بهذا الاتهام، فأياديها الممدودة بالعطاء لشعوب العالم أجمع وشعوب أمتنا ناصعة البياض، فهناك أكثر من 7 ملايين طفل في 42 دولة يستفيدون من مبادرة «علم طفلاً» التي تشرف عليها قطر، وأكثر من 300 ألف شاب يستفيدون من وظائف وفرتها لهم مؤسسات قطرية، ومدارس ومستشفيات ومراكز اجتماعية وتأهيلية بالمئات أنشأتها قطر من أجل إبعاد الشباب عن الانخراط في تنظيمات إرهابية ومتطرفة، تستغل فيهم الجهل والبطالة..
إن القضاء على الإرهاب واجتثاثه من جذروه يرتكز على معالجات حقيقية تبدأ من تحسين البيئة الاجتماعية للشعوب، ورفع الظلم عنها، وتوفير العيش الكريم لها، ومنحها الأمل بغدٍ أفضل، وتوفير وظائف للشباب، ومنحهم حرية التعبير والعدالة الاجتماعية.. وعدم ممارسة القمع والاستبداد والحكم الديكتاتوري ضدهم.. فإذا ما توفرت هذه البيئات فإننا لن نجد إرهاباً أو تطرفاً.
نعم.. مؤلم ما تعرضنا له من ظلم وافتراءات وأكاذيب من ذوي القربى، لكننا تعلمنا من هذه الأزمة الكثير، لقد بدأت قطر طريقها، وعرفت مسارها بصورة صحيحة، وأعادت رسم استراتيجياتها بصورة واضحة، ومرحلة جديدة من الاستقلال قد بدأت، سواء سياسياً أو اقتصادياً أو اجتماعياً أو إعلامياً.. ولن نتراجع عن هذه المكاسب، التي كنا في يوم ما نراعي ونحمل على أنفسنا كثيراً من أجل «خواطر» الجار، الذي لم يراعِ فينا إلّاً ولا ذمة، ولم يراعِ فينا علاقة جوار أو أخوة، فوجّه لنا طعنات غادرة في ليل دامس.
لم تقابل قطر مواقف دول الحصار بمثلها في جميع المجالات، بما فيها الجانب الاجتماعي الأكثر إيلاماً، بعد أن ضربت دول الحصار النسيج الاجتماعي، وأسقطت الخلاف على المواطنين، وقامت بمحاولات اختطاف الوعي لدى شعوبها من خلال الضخ الإعلامي الفاجر تجاه قطر، ولم تستطع إقناع شعوبها بذلك، وهو ما دفعها لفرض غرامات وعقوبات على كل من يتعاطف مع قطر، فعاقبوا حتى المشاعر.
لقد اتبعت دول الحصار أسلوب التشهير والافتراء على قطر بنوع الوشاية السياسية ضدها في الغرب، وهو ما قاله سمو الأمير المفدى، وهذا في كل الأعراف عيب، وليس من الأخلاق العربية النبيلة، لكون كل ما قيل ما هو إلا ادعاءات غير صحيحة، والأمر الآخر أنها تمثل مساساً بغير حق بدولة شقيقة، وأضاف سموه: «ألا نعلّم أبناءنا منذ الصغر أن الوشاية والكذب هما رذيلتان من أسوأ الرذائل؟ أليس التشهير وتلطيخ السمعة جريمة يحاسب عليها القانون في جميع الدول المتحضرة «.
لقد جمع سمو الأمير المفدى في خطابه بين الأخلاق والعقل والوجدان.. وفي الوقت نفسه خطاب الفرسان.. تحدث بلغة رصينة جمع فيها بين الفكر والمبادئ والقيم النبيلة، وهو أمر غير معهود في خطابات القادة والسياسيين في عالمنا العربي.
إنه خطاب المرحلة التاريخية الجديدة التي تدخلها قطر.. فمن رحم الأزمات تولد الانتصارات.
التعليقات

بواسطة : Ali Thabet

الأحد، 23 يوليه 2017 04:53 م

مبدع كالعادة ابو سالم

بواسطة : محمد ابوزيد ابو النور حسن

الإثنين، 24 يوليه 2017 12:23 م

احسنتم اخى الكريم الاعلامى المتميز الاستاذ جابر الحرمى