الإثنين 12 ذو القعدة / 15 يوليه 2019
09:48 م بتوقيت الدوحة

«القضايا المصيرية للإنسان» حصرياً على صفحات «العرب» طوال رمضان

هلاك فرعون

الدوحة - العرب

السبت، 24 يونيو 2017
هلاك فرعون
هلاك فرعون
تنشر «العرب» وبصورة حصرية على صفحات ملحق رمضان طوال أيام الشهر المعظم، حلقات من كتاب العلامة الشيخ يوسف القرضاوي، والذي جاء بعنوان: «القضايا المبدئية والمصيرية الكبرى للإنسان: ماذا أنا؟ ومن أين؟ وإلى أين؟ ولِمَ؟»
قال فضيلة الشيخ يوسف القرضاوي في مقاله السابق، وهو جزء من كتاب «القضايا المبدئية والمصيرية الكبرى للإنسان»، والذي ينشر حصرياً على صفحات «العرب» طوال أيام شهر رمضان المعظم: «إن الإنسان الرباني قد يتاح له المال الحرام، عن طريق الرشوة السافرة أو المُقنَّعة، أو استغلال المنصب والنفوذ، أو غير ذلك من أكل أموال الناس بالباطل، فيرفضه راضيًا بالقليل، قانعًا بالحلال، موقِنًا أن كل لحم نبت من حرام فالنار أولى به، وهو لا يحب أن يشتري جهنم بشيء، ولو كان ملك المشرق والمغرب».
وأضاف: «القرآن حكم بالإثم والهلاك على فرعون ووزيره وجنوده جميعًا، لأن الذي يخلق فرعون الكبير إنما هم أعوانه من الفراعنة الصغار، قال تعالى: {إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ} [القصص: 8]. وقال سبحانه: {فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ * وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لا يُنْصَرُونَ * وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ} [القصص: 40 - 42].
وقد يغطى هذا الصنف الذي خبث باطنه بظاهر مزخرف، ولسان يخدع الناس بمعسول القول، وحلو الكلام، فإذا سبرت غوره لم تجد وراء هذا الظاهر إلا باطنًا خرابًا، وضميرًا ميِّتًا، ونفسًا متطاولة على الخلق، مستكبرة عن الحق، مقبلة على الشر، معرضة عن الخير. كهذا الذي وصفه القرآن فقال: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ} [البقرة: 204 - 206].
(جـ) مِن الناس مَن لا يعبد إلا الله وحده:
وثَمَّة صنف آخر غير هذا وذاك، صنف لا يعبد نفسه، ولا يدور حول ذاته دوران الحمار في الرحى، أو الثور في الساقية، إنه يعبد الله وحده لا شريك له، فهدفه مرضاته، وغايته محبته والقرب منه وحسن الاتصال به، لا يريد إلا وجهه، ولا يبتغي إلا مثوبته، لا يحب ولا يبغض إلا فيه، ولا يعطي ولا يمنع إلا له.. أما الدنيا، فهي عنده أداة لا هدف، ووسيلة لا غاية، فهو يملكها ولا تملكه، ويسخِّرها ولا تسخِّره، ويجعلها في يده، ولكن لا يملأ بها قلبه.. إنما يدعو ربه بما دعا به محمد صلى الله عليه وسلم: «اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا».
وهذا الصنف (الربَّاني) الذي عاش لله وبالله.. صَلاته ونُسكه لله، ومحياه ومماته لله، ونيته وعمله لله، وجهده وجهاده لله.. إنه يفعل الخير للناس، ويُسدي المعروف للضعفاء والمساكين، ولكنه لا يطلب منهم ثمنًا لمعروفه؛ لأن غايته أن يحمده الله، لا أن يحمدوه، وأن يرضى عنه الله لا أن يرضوا عنه، {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلا شُكُورًا} [الإنسان: 8، 9].. إنه يكفُّ يده عن الشر، ولسانه عن الأذى، ولا يقابل السيئة بالسيئة، بل يدفع بالتي هي أحسن، لا خشية من أحد، بل خشية من الله .
إنه يدعو إلى الخير، ويأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، ويصلح بين الناس، ويميط الأذى عن الطريق.. إنه يُعلِّم الجاهل، ويهدي الحائر، ويرشد الضالَّ، ولا يطلب جزاءه إلا من الله، وشعاره في ذلك ما ذكره الله تعالى على ألسنة رسله حين قال كل رسول لقومه: {وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء:109].
إنه يضع رأسه على كفه، ويُقدِّم روحه فداء للحق، ويبذل النفس والمال ذِيَادًا عن القيم والحرمات، ولكنه لا يفعل هذا ليُذكر اسمه في قائمة الأبطال، ولا ليرى مكانه وتتحدث عنه أجهزة الإعلام، ولا ليحوز غنيمة دنيوية، ولكن لتكون كلمة الله هي العليا، وليُوَفَّى بالصفقة التي عقدها الله معه حين اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة.. والعجيب أن هذا الصنف الذي فَنِي عن حظِّ نفسه من أجل حقِّ ربه، والذي نَسِيَ ذاته وذكر الله وحدَه، هذا الصنف هو الوحيد الذي يعمل في الحقيقة من أجل نفسه: من أجل نجاتها وسعادتها.
إنه -عند التأمل- أوعى الأصناف وأحرصها على سعادة نفسه، ولكنه -بنور بصيرته، وعمق تفكيره- لم يبِعْ آجلًا بعاجل، ولا باقيًا بفانٍ. وقد قال أحد حكماء الصالحين: لو كانت الدنيا ذهبًا يفنى، والآخرة خَزَفًا يبقى، لوجب على العاقل أن يختار الخزف الباقي على الذهب الفاني! فكيف إذا كانت الدنيا هي الخزف الفاني، والآخرة هي الذهب الباقي؟!
والحقيقة التي لا ريب فيها، أن النسبة بين هذه الحياة الدنيا وبين الآخرة أكبر وأبعد وأعمق مما بين الخزف والذهب بكثير وكثير، ولكن الأمثال تُضرب للتقريب والتوضيح.. ولا شك أن أخسر الناس، وأظلمهم لنفسه، من حَرَمَها سعادة الأبد، ونعيم الأبد، من أجل متعة عارضة، وشهوة زائلة، وأن أربح الناس بضاعةً، من باع لذةً فانية، أو شهوة عاجلة، واشترى جنة عرضها السماوات والأرض، فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خَطَرَ على قلب بشر، {فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [السجدة: 17].
والواقع أن هذا الصنف لم يخسر دنياه حين آثر آخرته، فوجَّه لها إرادته، وسعى لها سعيها وهو مؤمن.. لقد كسب الحَيَاتين، وجمع الحَسَنتين: حسنة الدنيا، وحسنة الآخرة، اللتين يحرص عليهما المؤمنون، ويسألونهما الله سبحانه: {رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً} [البقرة: 201].
إن الربانية قد تحرم الإنسان من بعض اللذائذ العاجلة، وبعض المنافع القريبة، ولكنها تحميه بهذا الحرمان، من شرور ومخاطر كانت ستعود بالضرر المؤكد عليه، أو على مجتمعه، أو على الإنسانية.. كما سنشير إلى ذلك بعد.. وهي مع هذا تمنحه -في مقابل هذا الحرمان الجزئي الموقوت- سكينةً نفسية، وطمأنينة روحية، لا تُقدَّر قيمتها بمال، لأنها هي سر السعادة التي يَنشُدها كافة البشر، فلا يجدها إلا القليل.. وهي السعادة التي قال فيها بعض المؤمنين الذين ذاقوا حلاوتها: لو علم بها الملوك لجالدونا عليها بالسيوف!
لقد كان الصنف الأول هو الإنسان الحيواني.. وكان الصنف الثاني هو الإنسان الشيطاني.. أما الصنف الثالث فهو الإنسان الرباني.. تسمية الصنفين الأولين بالإنسان تسمية مجازية، فإن الصنف الثالث وحده هو الإنسان.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.