الأحد 20 صفر / 20 أكتوبر 2019
03:34 م بتوقيت الدوحة

دور العقل في الاجتهاد

علي القرة داغي

السبت، 24 يونيو 2017
د.علي محي الدين القرة داغي
د.علي محي الدين القرة داغي
قال الشيخ علي محي الدين القرة داغي في كتابه الاجتهاد، والذي ينشر على حلقات بصحيفة «العرب» طوال شهر رمضان المعظم: «ان باب التأويل واسع ولكن ضبطه هو أن يكون بدليل معتبر، وألا يكون نابعاً عن الأهواء وألا يكون متعارضاً مع نص صحيح صريح سليم من الكتاب والسنة».
وفي هذا الحلقة يتطرق لدور العقل في الاجتهاد من حيث الدلالات وغيرها: قائلا:
1 إن الاجتهاد في حد ذاته عملية عقلية لاستنباط الأحكام من النصوص عن طريق دلالاته، وإشاراته، وسياقه، ولحاقه، ثم القيام بتنزيل النص على فروعه، ومسائله، والتأكد من شروط التنزيل، وكذلك يقوم العقل أيضاً باستخراج المناط (العلة) عن طريق السبر والتقسيم، ونحوهما من مسائل العلة، والتأكد من عدم وجود قوادحها، بالإضافة إلى أن الاجتهاد بالاستحسان والمصالح المرسلة، والمقاصد صناعة عقلية مسترشدة بنور الوحي، وخاضعة لهداه، وبالإضافة إلى ما سبق فإن فقه المآلات وسد الذرائع أو فتحها يعتمد على العقل في الوصول إلى ذلك، مستهدياً بأضواء الوحي .
2 – يدل الاستقراء للنصوص الشرعية والتجارب السابقة أنه لم، ولن يوجد أيّ تعارض أو تناقض بين النص الصحيح الصريح، والعقل السليم، لأن العقل وصاحبه مخلوقان لله تعالى الذي أنزل شريعته لهداية العقل، وتوجيهه التوجيه الصحيح، ولإصلاح الإنسان حتى يكون عابداً لله تعالى، وصالحاً في نفسه، ومصلحاً لغيره، وقادراً على تعمير الكون على ضوء منهج الله تعالى.
وقد ألف الكثيرون من السلف والخلف ـ رحمهم الله تعالى ـ في هذا المجال وخصصه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله بمؤلف عظيم سماه: (درء تعارض العقل والنقل) حققه د. محمد رشاد سالم في أحد عشر مجلداً، توصل ببراهين وحجج وبعد مناقشات إلى عدم وجود أي تعارض بين العقل السليم والنقل الصحيح، وأن ما عارض الشرع مما أسند إلى العقليات فإن العقل السليم قد توصل إلى العلم بفساده، وأنه لا ينبغي مقابلة الدليل الشرعي ومعارضته بالدليل العقلي لأنهما من مشكاة واحدة، وإنما البدعيّ هو الذي يقابل الشرعيّ به.
3 إن منهجي قائم على أن لجميع النصوص الشرعية حكماً وعللاً وأسباباً، وأن الله تعالى كما أنه لم يخلق الكون عبثاً وباطلاً كذلك لم ينزل آياته إلاّ لحِكَمٍ وعِلَل عرفَها من عرفها، وجهلها من جهلها، وأن مفهوم العبادة شامل للاستجابة لكل ما أمر الله تعالى به من أداء الشعائر، وبناء الإنسان، وتعمير الأوطان، وتسخير الأكوان، والانتهاء عما نهاه من الفواحش والمنكرات والمفاسد والمضرات، وأن هذه العبادة نوعان:
النوع الأول: العقيدة والشعائر التعبدية والأخلاق التي تصلح للإنسان قلبه، ونفسه، وروحه، وعقله وسلوكه ليكون عبداً خالصاً لله تعالى صالحاً قادراً على الإصلاح، فالنصوص المتعلقة بهذا الجانب مرتبطة أيضاً بالحكم والأسرار، والغايات، ولكن الأصل فيها هو أن حِكَمَه وغاياته ليست لأجل القياس كما هو الحال في الآيات والأحاديث الخاصة بغير الشعائر التعبدية ـ كما سيأتي ـ
نعم إن الغاية العظمى في الشعائر التعبدية هي العبودية لله تعالى، ولكنّ وراءها حكماً وأسراراً وغايات أخرى تكمن في إصلاح الإنسان قلبه وفكره وجوارحه، وعقله وتصوراته ليكون صالحاً في ذاته مصلحاً للغير، قادراً على تعمير الكون على ضوء شرع الله تعالى ومنهاجه.
النوع الثاني: النصوص المتعلقة بالعادات والمعاملات، وأنشطة الإنسان، وتعمير الكون، فهذا النوع معقول المعاني، مرتبط بالعلل والأسباب والحكم، وهذا النوع يحث المسلمين على العلم والإبداع حتى يتحقق التسخير لهذا الكون، كما أن النوع الأول يمنع البدع والابتداع، حتى لا نزيد في الشعائر، ونتفرغ بعدها لتعمير الكون قال تعالى: (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ).
إن من ثوابت هذا الدين أن العقل من أعظم نعم الله تعالى وأنه بالعقل امتاز عن غيره، وأنه مناط التكليف، وأنه بسبب وجوده في الإنسان كلف بحمل الأمانة: أمانة العبادة والتعمير والاستخلاف، فقال تعالى: ( إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا) أي أنه ما دام ظلوماً جهولاً فإنه بسبب هذه الأمانة يزول ظلمه، وجهله، فيصبح عادلاً وعالماً وحينئذٍ يكون قادراً على الاستخلاف والتعمير .
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.