الجمعة 16 ذو القعدة / 19 يوليه 2019
01:15 م بتوقيت الدوحة

أوكل فيها مسؤولية الدعوة والبلاغ إلى جموع الناس

خطبة الوداع.. بين عاطفة النبوة وواقع المسلمين

احمد حافظ

السبت، 24 يونيو 2017
خطبة الوداع.. بين عاطفة النبوة وواقع المسلمين
خطبة الوداع.. بين عاطفة النبوة وواقع المسلمين
عندما كان النبي يلقي كلماته من فوق سفوح عرفات لم يكن يتوجه بعباراته إلى المسلمين فقط، بل إلى الناس كافة، فلم يقل مرة: أيها المؤمنون أو المسلمون، بل قال دائماً: أيها الناس، إنه خطاب للأجيال والتاريخ عبر الأزمنة المتعاقبة والأماكن المتباعدة، بعد أن أدى الأمانة ونصح للأمة وجاهد في سبيل الدعوة إلى ربه ثلاثة وعشرين عاماً لا يكل ولا يمل.
ولله ما أروعها من ساعة تلك اجتمع فيها حول رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الآلاف المؤلفة، اجتمعوا حوله خاشعين متضرعين مؤمنين به، وطالما هم أنفسهم اجتمعوا عليه متربصين به متآمرين ومحاربين، آلاف ممتدة امتداد النظر من كل الجهات، تردد بلسان حالها قول الله عز وجل: «إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد». وأخذ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ينظر من خلال وجوههم إلى الأجيال المقبلة التي تتحمل عبء الدعوة إلى الله.
لقد استشعر النبي دنو أجله في عباراته ووصاياه، وراح يودع الحياة والأحياء، وراح يستفرغ مكنون نفسه وعظيم مشاعره في كل حرف من كلماته، وفي كل نبرة من أصواته، كأنه يودع حبيباً سيطول غيابه، فأراد ألا يبخل بشيء من الحكمة والوصايا التي تنير له ظلام الدروب، وتعيده إلى الصراط المستقيم، كلما انحرفت به نفسه، وضل عن السبيل، سبيل الله التي اختارها لعباده المؤمنين. وأشعرنا صلى الله عليه وسلم بأنه أخرج مسؤولية الدعوة وتبليغها عن عنقه؛ فها هو الإسلام قد انتشر، وها هي ضلالات الجاهلية والشرك قد تبددت، وها هي أحكام الشريعة الإلهية قد بلّغت، وها هو الوحي ينزل عليه صلى الله عليه وسلم، يقول الله تعالى مخاطباً البشر كلهم: «اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً». ولكنه صلى الله عليه وسلم يريد أن يطمئن إلى شهادة أمته بذلك أمام الله تعالى يوم القيامة عندما يسألون، فأعقب توصياته هذه لهم بأن نادى فيهم قائلاً: إنكم ستسألون عني، فما أنتم قائلون؟ وارتفعت الأصوات من حوله تصرخ: نشهد أنك قد بلّغت، وأديت، ونصحت، وحينئذ اطمأن الرسول صلى الله عليه وسلم.
لقد كان يريد أن يستوثق من هذه الشهادة التي سيلقى بها وجه ربه، عز وجل، ولقد اطمأن الحبيب -صلى الله عليه وسلم- إذ ذاك، وشعشع الرضا في عينيه، ونظر بهما إلى الأعلى، مشيراً بسبابته إلى السماء، ثم إلى الناس، يقول: اللهم اشهد.. اللهم اشهد.. اللهم اشهد.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.