الجمعة 20 شعبان / 26 أبريل 2019
06:57 ص بتوقيت الدوحة

المخلّفون

المخلّفون
المخلّفون
وكانت غزوة تبوك -لظروفها الخاصة بها- اختباراً شديداً من الله تعالى، امتاز به المؤمنون من غيرهم، فقد خرج لهذه الغزوة كل من كان مؤمناً صادقاً، ولم يتخلف إلا من حبسهم العذر، أو الذين كذبوا الله ورسوله من المنافقين، وكان ممن قعد عن الجهاد، ولم يخرج مع رسول الله ثلاثة نفر من المؤمنين الصادقين، الذين تخلفوا من غير مبرر، وهم كعب بن مالك، ومرارة بن الربيع، وهلال بن أمية فاختاروا الصدق، ولم يكذبوا على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأمر الصحابة ألا يكلموا هؤلاء الثلاثة، وجرت ضد هؤلاء الثلاثة مقاطعة شديدة، وتغير لهم الناس، حتى تنكرت لهم الأرض، وضاقت عليهم بما رحبت، وضاقت عليهم أنفسهم، يقول كعب بن مالك: كنت إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فطفت فيهم، أحزنني أني لا أرى إلا رجلاً مغموصاً عليه النفاق، أو رجلاً ممن عذر الله من الضعفاء، قال كعب: فلما قدم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- جئته فقلت: إني والله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا، لرأيت أن سأخرج من سخطه بعذر، ولقد أعطيت جدلاً، ولكني والله، لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى به عني، ليوشكن الله أن يسخطك علي، ولئن حدثتك حديث صدق، تجد علي فيه، إني لأرجو فيه عفو الله، لا والله، ما كان لي من عذر، والله ما كنت قط أقوى، ولا أيسر مني حين تخلفت عنك، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «أما هذا فقد صدق، فقم حتى يقضي الله فيك».
ونهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- المسلمين عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف عنه، فاجتنبنا الناس، وتغيروا لنا حتى تنكرت في نفسي الأرض فما هي التي أعرف، وكنت أخرج فأشهد الصلاة مع المسلمين، وأطوف في الأسواق ولا يكلمني أحد، وآتي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأسلم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة، فأقول في نفسي: هل حرك شفتيه برد السلام علي أم لا؟
ثم ذهبت إلى حائط ابن عمي وأحب الناس إليّ أبي قتادة، فسلمت عليه، فوالله ما رد علي السلام، فقلت: يا أبا قتادة، أنشدك بالله هل تعلمني أحب الله ورسوله؟ فقال: الله ورسوله أعلم، ففاضت عيناي.
قال: فبينا أنا أمشي بسوق المدينة، إذا نبطي من أنباط أهل الشام، دفع إلي كتاباً من ملك غسان، فإذا فيه: أما بعد، فإنه قد بلغني أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هوان، ولا مضيعة، فالحق بنا نواسك، فقلت لما قرأتها: وهذا أيضاً من البلاء، فتيممت بها التنور فسجرته بها.
ثم جاء أمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن اعتزل امرأتك، فقلت: أطلقها؟ أم ماذا أفعل؟ قال: لا، بل اعتزلها ولا تقربها، فلبثت بعد ذلك عشر ليالٍ، حتى كملت لنا خمسون ليلة من حين نهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن كلامنا، فلما صليت صلاة الفجر صبح خمسين ليلة، سمعت صوت صارخ، بأعلى صوته: يا كعب بن مالك أبشر، قال: فخررت ساجداً، وعرفت أن قد جاء فرج، وآذن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بتوبة الله علينا حين صلى صلاة الفجر، فذهب الناس يبشروننا، وانطلقت إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فيتلقاني الناس فوجاً فوجاً، يهنئونني بالتوبة، حتى دخلت المسجد، فلما سلمت على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال، وهو يبرق وجهه من السرور: «أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك»، قال: قلت: أمن عندك يا رسول الله، أم من عند الله؟ قال: «لا، بل من عند الله»، قلت: يا رسول الله، إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسول الله، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك»، فقلت: يا رسول الله، إن الله إنما نجاني بالصدق، وإن من توبتي أن لا أحدث إلا صدقاً ما بقيت.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا

غزوة تبوك

23 يونيو 2017

وقفة مع الأنصار

22 يونيو 2017

غزوة حنين

21 يونيو 2017

غزوة فتح مكة

20 يونيو 2017

معركة مؤتة

19 يونيو 2017

حادثة الإفك

18 يونيو 2017