الإثنين 22 رمضان / 27 مايو 2019
05:00 م بتوقيت الدوحة

«القضايا المصيرية للإنسان» حصرياً على صفحات «العرب» طوال رمضان

الإنسان الرباني

الدوحة - العرب

الجمعة، 23 يونيو 2017
القرضاوي
القرضاوي
تنشر «العرب» وبصورة حصرية على صفحات ملحق رمضان طوال أيام الشهر المعظم، حلقات من كتاب العلامة الشيخ يوسف القرضاوي، والذي جاء بعنوان: «القضايا المبدئية والمصيرية الكبرى للإنسان: ماذا أنا؟ ومن أين؟ وإلى أين؟ ولِمَ؟»
قال فضيلة الشيخ يوسف القرضاوي في مقاله السابق، وهو جزء من كتاب: «القضايا المبدئية والمصيرية الكبرى للإنسان»، والذي ينشر حصرياً على صفحات «العرب» طوال أيام شهر رمضان المعظم: «ليس عجيباً أن يتورط الإنسان في معصية الله، وتغلبه شهوته وهواه، فقديماً عصى آدم أبو البشرية ربَّه، وغرَّه الشيطانُ حتى ارتكب ما نهاه الله عنه من الأكل من الشجرة، ولكنه ما أسرع ما تاب وأناب، وقرع باب ربه بالاعتراف والاستغفار».
وأضاف أما معصية إبليس فكان سببها الكبر والتمرد على أمر الله: {قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ} [الأعراف:12، ص:76]. ولم يعقبها إلا الإصرار والضلال: {قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ} [الأعراف:16-17].
إن الإنسان الرباني قد تتاح له الشهوة الحرام، تعرض عليه بلا رقيب ولا حسيب من البشر، فيعرض عنها حياءً وحرصاً على أن يُظلَّه الله في ظله، يوم لا ظل إلا ظله، فيقول ما قاله سيدنا يوسف رضى الله عنه حين راودته امرأة العزيز عن نفسه: {مَعَاذَ اللَّهِ} [يوسف:23].
إن الإنسان الرباني قد يتاح له المال الحرام، عن طريق الرشوة السافرة أو المُقنَّعة، أو استغلال المنصب والنفوذ، أو غير ذلك من أكل أموال الناس بالباطل، فيرفضه راضياً بالقليل، قانعاً بالحلال، موقِناً أن كل لحم نبت من حرام فالنار أولى به، وهو لا يحب أن يشتري جهنم بشيء، ولو كان ملك المشرق والمغرب، حسبه أن يتلو قول الله تعالى: {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} [يونس:58].
وإن الإنسان الرباني قد يتاح له الجاه والمنصب الحرام، عن طريق موالاة المعتدين، أو معاونة الظالمين، أو السير في ركاب الطاغين، فيأبى عليه دينه، وينهاه إيمانه، متذكِّراً قول الله تعالى: {وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ} [هود:113].
وإن الإنسان الرباني قد يتاح له أن يتمكن من خَصمه، ويستطيع أن يَشفي منه نفسَه، وأن يرد له الصاع صاعَيْن، فينقع غُلَّته بالانتقام منه، ويستمتع بقهره وإذلاله، لكن ربانيته السمحة تأبى عليه، إلا أن يقف موقف العفو والصفح والسماح، فيقول ما قال يوسف لإخوته: {لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} [يوسف:92].
والناس تتفاوت غاياتهم وأهدافهم -أفراداً وجماعات- تفاوتاً بعيداً، ويختلفون فيها اختلافاً شاسعاً، يكاد يرتفع فيها بعضهم إلى أفق الملائكة، وينزل بها بعضهم إلى حضيض الشياطين. وهذا في الواقع هو الاختلاف الأكبر والأعمق بين الناس، أعني الاختلاف على الأهداف، أما الاختلاف على الوسائل والطرائق، فهو أخفُّ وأهون، بعد الاتفاق على الغاية والوجهة.
وقد قال أحد الشعراء:
كلُّ من في الوجودِ يطلبُ صيدًا ** غيْرَ أنَّ الشّباكَ مختلفاتُ!
وكان أولى به أن يقول: غير أن الصُّيود (جمع صيد) مختلفات، لأن الخلاف الأكبر بين البشر ليس على نوعية الشِّبَاك التي بها يحصلون على صيدهم، بل على الصيد ذاته: ماذا يكون؟ وأين يكون؟ وكم يكون؟ وكيف يكون؟! إذا نظرنا إلى الأفراد وغاياتهم وجدناهم أصنافاً عديدة ومتنوعة.
(أ) بعض الناس غايته عبادة نفسه وشهواته ومصالحه: فمنهم من يعيش حياته غارقاً في لذاته، دائراً حول مطامح نفسه، يدور حول عبادة ذاته، يطوف بها كالوثني بصنمه، لا يخترق حجاب الحس إلى ما وراء المادة، ولا يرنو ببصره إلى شيء وراء دنياه العاجلة، وشهواته البهيمية، ومطالبه المادية الأنانية الآنية. وفي سبيل هذه الغاية، لا يبالي أن يضحي بكل ما يعوقه، ويقف في سبيله، من القيم والمثل والمعتقدات، وبكل من يعوقه ويقف في طريق شهواته من البشر، يفعل ذلك جهرة إن ملك القدرة عليه، وكان ذا جاه وسلطان، وقد يرتكبه سراً وخُفْية؛ فراراً من طائلة العقاب والقانون في سبيل شهواته وأهوائه، ومطامعه ومصالحه، لا يهمه أن يبذل العرض، أو يهدر الشرف، أو يضيِّع الأهل والولد، أو يبيع الصديق، أو يخون الوطن، أو يتمرد على العقيدة، لا يحجزه عن ذلك ضمير، فقد مات الضمير، وأُهيل عليه التراب، ولا إيمان، فلا إيمان لمَن كان إلهه هواه، وشهوته معبوده، ولا عقل، فإن شهواته عطلت عقله، وأهواءه أغلقت منافذ تفكيره، {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ} [القصص:50].
وقد عرفنا هذا الصنف (الأناني) وجربناه، وعانينا منه الأمرَّيْن، ولاقت الأمم قديماً وحديثاً على يديه الويلات بعد الويلات، وعليه نبَّه القرآن في كثير من آياته؛ مثل قوله تعالى: {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ} [الأعراف:179]. وفي سورة أخرى يقول: {أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً * أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً} [الفرقان:43- 44].
هذا الصنف البهيمي الأناني، عابد هواه، قد خرَّب أجهزة المعرفة التي منحه الله إياها، من الأسماع والأبصار والقلوب، وعاش حياة أدنى مرتبة من الأنعام، وأضل سبيلاً، وإنما كانت كذلك لأمرين: أولهما: أن الأنعام تؤدي مهمتها المنوطة بها في الوجود، فلم تُرَ بقرةٌ تمردت على أن تُحلب، ولا جملٌ تمرد على أن يُركب، وإنما تؤدي رسالتها في خدمة الإنسان، تحرث الأرض، وتسقي الحرث، وتحمل الأثقال، وتدر اللبن، وتعطي من أشعارها وأصوافها وأوبارها أثاثاً ومتاعاً إلى حين. والثاني: أن هذه الأنعام لم تؤتَ ما أوتي الإنسان من المواهب الفكرية والروحية، ولم يُسخَّر لها ما في السماوات وما في الأرض، ولم يبعث لها رسول، ولم ينزل عليها كتاب، وإنما الذي أوتي هذا كله هو الإنسان، فإذا أهمل هذه النعم، ولم يشكرها، ونسي رسالته، وعاش لبطنه وفرجه وشهوته، كما تعيش الدواب، كان بلا ريب أضل منها سبيلاً.
(ب) مِن الناس مَن غايته الإذلال والإضرار والإفساد: ومن الناس من لا هدف له في الحياة إلا إذلال الناس والإضرار بهم، والكيد لهم، كأن رسالته التي خلق لها الإفساد في أرض الله، والعدوان على خلق الله، استحالت نعم الله في يديه إلى سياط للإيذاء، وأسلحة للفتك، وآلات للتدمير. هذا الصنف كالذي قبله، يعيش لدنياه العاجلة، ولأنانيته البشعة، ولكن يفترقان في المِزاج فقط، فإذا كان اتجاه الصنف الأول أنانياً شهوانياً، فهذا ترى اتجاهه أنانياً عُدوانياً.
الصنف الأول فقد خصيصة الإنسان، واستحال إلى حيوان، وهذا الصنف فقد كذلك خصيصة الإنسان، ولكنه استحال إلى وحش مفترس، لا يكتفي بأن يتمتع، ولكن يريد العدوان على غيره.
ونحن نقول: إن الإنسان السادي الذي يحب الإيذاء شر من الوحوش، فالوحش لا يريد من غيره إلا أن يُشبِع جوعه، والإنسان المفسد لا يكفيه ما يكفي الوحش، بل يعمل على الإضرار بالآخرين، فهو يتحول من إنسان إلى شيطان، فالشيطان لا هم له إلا الإفساد والكيد والتضليل والإغواء. وهذا الصنف هو الذي لعنه الله وذمَّه في كتابه بقوله: {وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ} [الرعد:25]. هذا الصنف إذا تمكن من رقاب البشر يوماً ما بولاية أو رياسة أو نفوذ، وجدته نمروداً كنمرود إبراهيم، يقول: أنا أحيي وأميت!
أو فرعوناً كفرعون موسى، يذبح الأبناء، ويستذل النساء! أو طاغية كنيرون الذي أحرق روما، أو غيره من جبابرة التاريخ، فإذا لم يكن له سلطان نمرود ولا فرعون ولا نيرون، كان طاغية صغيراً: ذيلاً لطاغية كبير.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.