الخميس 18 رمضان / 23 مايو 2019
06:16 م بتوقيت الدوحة

التأويل

علي القرة داغي

الجمعة، 23 يونيو 2017
التأويل
التأويل
قال الشيخ علي محيي الدين القرة داغي في كتابه الاجتهاد، والذي ينشر على حلقات بصحيفة «العرب» طوال شهر رمضان المعظم: «التأويل هو حمل الكلمة على غير معناها الواضح لأي سبب مشروع، مثل التعارض الظاهري بين النصوص، أو تعارض الدليل الخاص مع المبادئ العامة والقواعد الكلية، ولكن التأويل غير وارد في النصوص الصحيحة التي تكون دلالتها قطعية – كما سبق-، وقد عرف الصحابة وتابعوهم التأويل في مسائل متعددة لا يتسع المجال للخوض فيها «.
وأضاف «العلماء مختلفون في اعتماد الدليل الذي تم به التأويل (من التخصيص ونحوه)، فمنهم من حصره في الكتاب والسنة، ومنهم من وسع الدائرة لتشمل مقاصد الشريعة وعللها وحكمها وغايتها، بحيث ينزل النص على المعنى الذي يتناسق مع مقاصد الشريعة، ويتناسب مع علة التشريع، فلنضرب لذلك مثالاً:
النصوص الشرعية في زكاة الثروة الحيوانية والزراعية نصت على عدد أو مقدار من العيان نفسها، مثل تحديد شاة لأربعين غنماً، ولخمس من الجمال، وهكذا، وكذلك تحديد مقدار الزكاة من الحبوب مثل القمح والشعير ونحوهما، وكذلك تحديد صاع من التمر أو الشعير لفريضة صدقة الفطر... إلخ.
فالجمهور أبقوا هذه النصوص وحملوها على أنها نصوص ظاهرة يجب العمل بمعانيها الواضحات، في حين ذهب الحنفية وجماعة من السلف والخلف إلى أن لفظ (الشاة) ونحوه مؤول عن معناه الظاهر إلى معنى أوسع، بحيث يشملها ويشمل القيمة، من خلال تعليل النص واستخلاص حكمته، وهي: (دفع حاجة الفقير)، وبناء على ذلك لم يبطلوا النص الخاص بالكلية، بل أبقوا معناه، ولكنهم وسعوه بالعلة والحكمة ليشمل القيمة أيضاً توسيعاً للواجب وتخييراً في الدفع على الأمر، وتيسيراً على الغني، والفقير معاً، كما هو الحال في نص (الخمر) حيث حلت محلها (المسكر)، فهذا التأويل -تأويل بالعلة، أو الحكمة ومقاصد الشريعة- تأويل مقبول من حيث المبدأ.
وقد أيد الإمام الغزالي –مع أنه شافعي المذهب- مذهب الحنفية فقال: (اللفظ نص في الوجوب، ظاهر في تعيينه، فيحتمل التخيير)، أي إن هذه النصوص في دلالتها على الوجوب نص قطعي محكم التأويل، وفي حملها على التخيير بين ما ذكر في الأدلة، وبين ما توصل إليه بالعلة والحكمة والمقاصد تأويل محتمل مقبول.
ومن هذا الباب توسع جماعة من الفقهاء منهم متأخرو الحنابلة في تخصيص العموم بالمصلحة العامة، حيث أوّلوا الأحاديث الواردة في منع التسعير، وأجازوا التسعير الجبري للسلع والخدمات، بل جواز إجبار ذوي المهن والعمال على أجر المثل إذا وجد استغلال وغلاء.
والخلاصة أن باب التأويل واسع، ولكن ضبطه هو أن يكون بدليل معتبر، وأن لا يكون نابعاً عن الأهواء، وأن لا يكون متعارضاً مع نص صحيح صريح سليم من الكتاب والسنة.
المنطوق والمفهوم للألفاظ:
يقسم اللفظ من حيث دلالته على المعنى المراد إلى قسمين:
أولاً – دلالة المنطوق:
وهو ما دل عليه اللفظ في محل النطق به، وهو نوعان:
أ- الصريح وهو الذي وضع له اللفظ سواء كانت دلالته مطابقة أو دلالة تضمن التزام:
-فالمطابقة هو اللفظ المستعمل في كامل معناه، مثل استعمال البيع في مبادلة مال بمال بالتراضي في قوله تعالى (وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا).
-ودلالة التضمن هي دلالة على جزء من معناه كاستعمال البيع على ركن الإيجاب فقط.
ب- غير الصريح، بأن دلّ اللفظ على ذلك المعنى في غير ما وضع له، ويسمى دلالة التزام وهي دلالة اللفظ على لازم عقلي أو عرفي لمعناه، مثل إطلاق البيع على التسليم والتسلم، وتنقسم دلالة الالتزام إلى ثلاثة أقسام:
(1) دلالة اقتضاء، وهي ما يتوقف عليه صرف اللفظ، مثل قول النبي صلى الله عليه وسلم (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان...) حيث إن ذات الخطأ والنسيان لم يرتفعا، فيتضمن ما يتوقف عليه من الإثم، أو المؤاخذة، ونحو ذلك، أو يتوقف عليه صحته عقلاً مثل (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ) أي أهل القرية، أو شرعاً مثل أن يقول شخص لآخر: بع سيارتي لفلان، حيث يقتضي ذلك شرعاً إثبات الوكالة له أولاً حتى يصح بيعه لها.
(2) دلالة إشارة بأن كان المعنى غير مقصود أصالة للمتكلم، مثل قوله تعالى (وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْراً) وقوله تعالى (وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ) حيث يستفاد من ذلك أن أقل مدة الحمل ستة أشهر.
(3) دلالة التنبيه أو الإيماء وهي دلالة اللفظ على لازم مقصود للشارع، ولكن تتوقف عليه بلاغة الكلام لا صدقه، ولا صحته مثل الفاء في قوله تعالى: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا) فقد أومأت الفاء على أن العلة في القطع هي السرقة.
ثانياً – دلالة المفهوم:
فالمفهوم هو ما دل عليه لفظ لا في محل النطق، وهو نوعان:
1 - مفهوم موافقة:
وهو ما وافق المسكوت عنه المنطوق في الحكم، ويسمى فحوى الخطاب، ولحنه، ومفهومه مثل قوله تعالى (فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ) حيث يفهم منه حرمة الضرب وجميع أنواع الإيذاء، ودلالته لفظية على الصحيح، وسماه الحنفية دلالة النص.
وهو حجة عند جماهير العلماء ما عدا رواية عن دواد الظاهري وبعضهم ادعى الإجماع.
2 - مفهوم مخالفة:
وهو ما خالف المسكوت عنه المنطوق في الحكم، ويسمى دليل الخطاب أيضاً، ومن شروط العمل به أن تظهر أولوية بالحكم من المذكور، ولا مساواة في مسكوت عنه، ولا خرج مخرج الخطاب مثل قوله تعالى (وَرَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُم)، ولا مخرج تفخيم مثل قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يحل لامرأة تؤمن الله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث) فقيد الإيمان للتفخيم في الأمر، ولا جواباً عن سؤال، ولا لزيادة امتنان مثل قوله (لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْماً طَرِيّاً) فلفظ (طرياً) للامتنان وليس لإخراج غيره، وغير ذلك مما أطال فيه النفس العلماء، مما لا يسع المجال للخوض فيه هنا.
وهناك تفاصيل أصولية حول دلالات العام المخصوص، والعام المراد منه الخصوص والتخصيص، وصيغ العموم، وأدوات التخصيص، والمطلق والمقيد، والناسخ والمنسوخ، والأمر والنهي، وغير ذلك مما هو مطلوب من المجتهد أن يكون على علم تام به، نحيل من يريد المزيد إلى كتب أصول الفقه والدراسات المتخصصة في كل موضوع من هذه الموضوعات.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.