الثلاثاء 20 ذو القعدة / 23 يوليه 2019
04:06 م بتوقيت الدوحة

الطفيل بن عمرو الدوسي.. الفطرة الراشدة

الجمعة، 23 يونيو 2017
الطفيل بن عمرو الدوسي.. الفطرة الراشدة
الطفيل بن عمرو الدوسي.. الفطرة الراشدة
في أرض دوس نشأ بين أسرة شريفة كريمة، وأوتي موهبة الشعر، فطار بين القبائل صيته ونبوغه. وفي مواسم عكاظ -حيث يأتي الشعراء العرب من كل فج، ويحتشدون ويتباهون بشعرهم -، كان الطفيل يأخذ مكانه في المقدمة.
كما كان يتردد على مكة كثيراً في غير مواسم عكاظ، وذات مرة كان يزورها، وقد شرع الرسول يجهر بدعوته.
وخشيت قريش أن يلقاه الطفيل ويُسْلِم، ثم يضع موهبته الشعرية في خدمة الإسلام، فتكون الطامة على قريش وأصنامها.
من أجل ذلك أحاطوا به، وهيئوا له كل أسباب الترف والبهجة والنعيم، ثم راحوا يحذرونه لقاء رسول الله- صلى الله عليه وسلم-، ويقولون له»إن له قولاً كالسحر، يُفرّق بين الرجل وأبيه، والرجل وأخيه، والرجل وزوجته، وإنَّا نخشى عليك وعلى قومك منه، فلا تكلمه ولا تسمع منه حديثاً».
ولنصغِ للطفيل ذاته يروي لنا بقية النبأ فيقول»: فوالله ما زالوا بي حتى عزمت ألا أسمع منه شيئاً ولا ألقاه». وحين غدوت إلى الكعبة، حشوت أذني كرسفاً؛ كي لا أسمع شيئاً من قوله إذا هو تحدث.
وهناك وجدته قائماً يُصلي عند الكعبة، فقمت قريباً منه، فأبي الله إلا أن يُسمِعَنِي بعض ما يقرأ، فسمعت كلاماً حسناً، وقلت لنفسي: «واثكل أمي، والله إني لَرَجُلٌ لبيبٌ شاعرٌ، لا يخفى علي الحسن من القبيح، فما يمنعني أن أسمع من الرجل ما يقول، فإن كان الذي يأتي به حسناً قبلته، وإن كان قبيحاً رفضته.
ومكثت حتى انصرف إلى بيته، فتبعته حتى دخل بيته، فدخلت وراءه، وقلت له:» يا محمد، إن قومك قد حدثوني عنك كذا وكذا، فوالله ما برحوا يُخوّفونني أمرك، حتى سددت أذني بكرسف؛ لئلا أسمع قولك، ولكنَّ الله شاء أن أسمع، فسمعت قولاً حسناً، فاعرض علي أمرك. فعرض الرسول عليَّ الإسلام، وتلا عليَّ بعضاً من القرآن.
فأسلمت، وشهدت شهادة الحق، وقلت: يا رسول الله، إني امرؤ مطاع في قومي، وإني راجع إليهم، وداعيهم إلى الإسلام، فادع الله أن يجعل لي آية تكون عوناً لي فيما أدعهوهم إليه، فقال عليه السلام: اللهم اجعل له آية».
إنه صورة صادقة من صور الفطرة الرشيدة، فما كاد سمعه يلتقط بعض آيات الرشد والخير، التي أنزلها الله على فؤاد رسوله- صلى الله عليه وسلم -، حتى تفتح كل سمعه، وكل قلبه، وبسط يمينه مبايعاً. ليس ذلك فحسب، بل حمّل نفسه من فَوْرِهِ مسؤولية دعوة قومه وأهله إلى هذا الدين الحق، والصراط المستقيم.
من أجل هذا، نراه لا يكاد يبلغ بلده وداره في أرض دوس، حتى يواجه أباه بالذي في قلبه من عقيدة وإصرار، ويدعوه إلى الإسلام بعد أن حدّثه عن الرسول، الذي يدعو إلى الله، حدثه عن عظمته، عن طُهْره وأمانته، عن إخلاصه وإخباته لله رب العالمين.
فأسلم أبوه في الحال، فانتقل إلى أمه، فأسلمت ثم إلى زوجه، فأسلمت.
ولما اطمأن إلى أن الإسلام قد غمر بيته، انتقل إلى عشيرته، وإلى أهل دوس جميعاً، فلم يسلم منهم أحد سوى أبي هريرة رضي الله عنه.
ولقد راحوا يخذلونه، وينأون عنه، حتى نفد صبره، فركب راحلته، وقطع الفيافي عائداً إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يشكو إليه، ويتزوّد منه بتعاليم الإسلام.
وحين نزل مكة، سارع إلى دار الرسول- صلى الله عليه وسلم- تحدوه أشواقه،وقال للنبي :»يا رسول الله،إنه قد غلبني على دوس الزنا، والربا، فادع الله أن يهلك دوساً» ولكن المفاجأة أذهلت الطفيل، حين رأى الرسول- صلى الله عليه وسلم- يرفع كفيه إلى السماء وهو يقول:»اللهم اهدِ دوساً، وأتِ بهم مسلمين». ثم التفت إلى الطفيل وقال له:» ارجع إلى قومك، فادعهم، وارفق بهم».
ملأ هذا المشهد نفس الطفيل روعة، وملأ روحه سلاماً، وحمد الله أبلغ الحمد أن جعل هذا الرسول الإنسان الرحيم معلمَه وأستاذه، وأن جعل الإسلام دينه وملاذه.
ونهض عائداً إلى أرضه وقومه، وهناك راح يدعوهم إلى الإسلام في أناة ورفق، كما أوصاه الرسول - صلى الله عليه وسلم-.
وخلال الفترة التي قضاها بين قومه، كان الرسول قد هاجر إلى المدينة، وكانت قد وقعت غزوة بدر وأحد والخندق. وبينما رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في خيبر- بعد أن فتحها الله على المسلمين- إذا موكب حافل ينتظم ثمانين أسرة من دوس، أقبلوا على الرسول- صلى الله عليه وسلم- مهللين مكبّرين، ثم جلسوا يبايعونه تِباعاً. ولما فرغوا من مشهدهم الحافل، وبيعتهم المباركة، جلس الطفيل بن عمرو مع نفسه يسترجع ذكرياته ويتأمل خطاه على الطريق، تذكر يوم قدومه على الرسول- صلى الله عليه وسلم- يسأله أن يرفع كفيه إلى السماء ويقول:»اللهم أهلك دوساً، فإذا هو يبتهل بدعاء آخر، أثار يومئذ عجبه ذلك هو» اللهم اهدِ دوساً وأتِ بهم مسلمين». ولقد هدى الله دوساً،وجاء بهم مسلمين. وها هم أولاء ثمانون بيتاً، وعائلة، يشكلون أكثرية أهلها، يأخذون مكانهم في الصفوف الطاهرة خلف رسول الله الأمين.
الطفيل يواصل عمله مع الجماعة المؤمنة.
ويوم فتح مكة، كان يدخلها مع عشرة آلاف مسلم لا يثنون أعطافهم زهواً وصلفاً، بل يحنون جباههم في خشوع وإذلال، شكراً لله، الذي أثابهم فتحاً قريباً، ونصراً مبيناً. ورأى الطفيل رسول الله - صلى الله عليه وسلم- وهو يهدم أصنام الكعبة، ويطهرها بيده من ذلك الرجس الذي طال أمده. وتذكر الدوسي من فوره صنماً كان لعمرو بن حممة. طالما كان عمرو هذا يصطحبه إليه، حين ينزل في ضيافته، فيتخشّع بين يديه، ويتضرّع إليه.
الآن حانت الفرصة ليمحو الطفيل عن نفسه إثم تلك الأيام، فتقدم من الرسول - صلى الله عليه وسلم-، يستأذنه في أن يذهب ليحرق صنم عمرو بن حممة- وكان هذا الصنم يدعى ذا الكفين- فأذن له النبي عليه السلام. ويذهب الطفيل ويوقد عليه النار، وكلما خبت زادها اشتعالاً، وهو ينشد ويقول:»يا ذا الكفين لستُ من عبّادكا، ميلادنا أقدمُ من ميلادكا، إني حشوت النار في فؤادكا».
وهكذا عاش مع النبي- صلى الله عليه وسلم- يصلي وراءه، ويتعلم منه، ويغزو معه، وينتقل الرسول- صلى الله عليه وسلم- إلى الرفيق الأعلى، فيرى الطفيل أن مسؤوليته كمسلم لم تنتهِ بموت الرسول- صلى الله عليه وسلم-، بل إنها لتكاد تبدأ.
وهكذا لم تكد حروب الردة تنشب، حتى كان الطفيل يشمّر لها عن ساعد وساق، وحتى كان يخوض غمراتها وأهوالها في حنان المشتاق إلى الشهادة، اشترك في حروب الردة حرباً حرباً.
وفي موقعة اليمامة خرج مع المسلمين مصطحباً معه ابنه عمرو بن الطفيل، ومع بدء المعركة راح يوصي ابنه أن يقاتل جيش مسيلمة الكذاب، قتال من يريد الموت والشهادة، وأنبأه أنه يشعرأنه سيموت في هذه المعركة. وهكذا حمل سيفه وخاض القتال في تفانٍ مجيد، لم يكن يدافع بسيفه عن حياته، بل كان يدافع بحياته عن سيفه. حتى إذا مات وسقط جسده، بقي السيف سليماً مرهفاً؛ لتضرب به يدٌ أخرى لم يسقط صاحبها بعد.
وفي تلك الموقعة استشهد الطفيل الدوسي رضي الله عنه، و جسده تحت وقع الطعان، وهو يلوّح لابنه، الذي لم يكن يراه وسط الزحام، يلوّح له وكأنه يهيب به ليتبعه ويلحق به، ولقد لحق به فعلاً، ولكن بعد حين. ففي موقعة اليرموك بالشام خرج عمرو بن الطفيل مجاهداً وقضى نحبه شهيداً، وكان وهو يجود بأنفاسه يبسط ذراعه اليمنى ويفتح كفه، كما لو كان سيصافح بها أحداً. ومن يدري؟ لعله وقتها كان يصافح روح أبيه.
المصدر: رجال حول الرسول
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.