الأحد 15 شعبان / 21 أبريل 2019
11:40 ص بتوقيت الدوحة

رمضان شهر الحرية

رمضان شهر  الحرية
رمضان شهر الحرية
منذ تواصلت معي صديقة من أجل الملحق الرمضاني لجريدة «العرب» حتى أشارك في الكتابة، وكل أطياف الأفكار في قلبي وعقلي تهاوت في كوني الداخلي العميق، وبقيت حيثُ أنا متسمرة القلم. كل ما يمكنني قوله إن كل ما سأكتبه عن رمضان هو إحساسي تجاه هذا الصديق صاحب القلب الكبير الذي يأتينا مرة في العام ليحاول أن يعيننا على أنفسنا بعد عام من التهاوي في ممرات الحياة.
رمضان في كل عام يهاتفنا قبل أن يأتي، ليخبرنا بزيارته، مبشراً قلوبنا بكم من السعادة الروحية التي تستطيع ترميم كل ما تهالك من أرواحنا، لنستعيد القوة على الاستمرار في الحياة. ورغم أنه زائر سنوي إلا أن زيارته لبيتي في هذا العام مختلفة بكل التفاصيل، التفاصيل التي تشمل إحساسي الداكن بالفرح لقدومه، تلهفي بأن أرمي نفسي في أحضان فضائه الرحب رامية كل اللحظات التي شعرت فيها بالبؤس، بالضعف وبالتيه.
منذ شهر تقريباً وكل كياني يفكر في تفاصيل هذا الشهر، الذي وإن فكرنا فيه بعمق لوجدنا أنه شهر التحرر. نعم التحرر! شهر الانفكاك من كل ما يرتبط بالغرائز المرتبطة بوجودنا في الحياة، وبكل حاجاتنا المادية التي استهلكتنا، كالأكل والشّرب والغريزة الجسدية. هذه الفرصة لحرية الروح وتغذيتها بعد إحدى عشر شهراً ملأ فيها التراب أرواحنا لتذبل ويتخافت صوتها في حين يعلو صوت صخب الحياة فوق صوتها!.
حاجتنا لأن نكون نحن والله في علاقة مباشرة، لنتعرف إليه عن قرب جليّ ونخاطبه، شعورُ السكينة الدافئة الذي يذيب جليد البرود الناتج من مواقف الحياة اليومية، وعبور هول من الناس في حياتنا تاركين شتّى الأثر. جليدٌ يكسو الروح والقلب، يجمّد شعورنا بإنسانيتنا، وبطبيعة الشعور في حد ذاته، في حين أن الدعاء والقرب هو ما يعيد إلينا أمان العمق أن الإنسان فينا ما زالَ حيّاً يرزق. قراءة كلام الله، التأمل فيه وكأنك أسلمت للتو واللحظة، وكأنك تقرأه للمرة الأولى على الإطلاق فتتعجب، تنبهر تتأمل وتبكي في صمت.
رمضان، هو الحيزُ الذي نستعيد فيه الإرادة من جديد بعد وقت طويل من سلبِها من قبل الماديات بشكل أو بآخر، شئنا أم أبينا، وهو الكهف الذي يبعدنا عن كل شيء إلا عن حقيقتنا وحقيقة الكون الذي لا يقودنا نهايةً إلا لخالقه أي لله وحده. وفي ذات الوقت هو الذي يدفعنا -وبدافع قوي جداً- إلى أن نعيد التفكير في أولوياتنا، علاقاتنا مع الآخرين، ومع الإنسان من حولنا، لنفكر بكل الطرق كيف يمكننا أن نتقرب من الله عن طريق عون عبده بأي طريقة كانت بسيطة، معقدة سهلة أو صعبة. هذه الأفكار بحد ذاتها قادتني للجنون، الجنون الذي يدعوني لأن أكون مع نفسي ومع الناس. جنون محاولات من الوقوف متزنة بين حاجتي لكهف أستعيد فيه ترتيب كوني الداخلي، وبين الدافع الذي يحركني كخليفة في الأرض للتحرك سعياً بين الناس والانشغال بينهم ومعهم، أي بتعبير آخر: اتزان بيني وأنا، واتزان بيني وبين الناس!.
قد يغفل بعضُ الناس عن كل هذا العمق لرمضان، لانشغالهم بالحياة التي هي مهمتها بالأساس أن تشغلنا، ولكن كيف لنا أن نغفل عن هذ الكم من الجمال الذي يعيد الأمور لنصابها، ويجعلنا ننتصب متوازنين نعلمنا ونعلمُ ما لنا وما علينا عن طريق خطاب الله الموجه لنا وتوجهنا إليه.
رمضان بمثابة طوق النجاة من الغرق أو أن نختار الغرق بمحض إرادتنا دون أن نساعدنا للوصول لبر الأمان، التحرر منا، هو الحرية التي توصلنا لبر الأمان حين نفك القيود عن الروح لتتنفس! ونتطلق من جديد.
هناك من يسعى في الحياة، بسرعة وهو يركض لينجز ويخطو ويستمر ليجد نهاية أن المادية أنهكته بكل أنواعها، دون التوقف لوهلة وإعادة النظر في كل شيء من جديد، ولكن من منطلق الدستور الديني الذي ما وجد إلا لنصل للنظام الذي يناسب تكويننا حسب ما أراده الله، وبالتالي الوصول للسعادة.
كل ما أحاول فعله في رمضان، هو التوجه لله من جديد، تعلم القرب، الدعاء، الاتزان. بالتأكيد ليست مهمة بهذه السهولة، ولكن بالتأكيد نتائجها تستحق. رمضان هو لي، شهر «الحرية»، لعلي أستطيع تحقيقها بالفعل كما يجب! لأن الحرية دوماً اختيارنا حين نعلمها لنا فتصبح في حياتنا نهجاً».
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.