الثلاثاء 16 رمضان / 21 مايو 2019
03:47 ص بتوقيت الدوحة

أهل الرحمة في القرآن العظيم(14)

أهل الرحمة في القرآن العظيم(14)
أهل الرحمة في القرآن العظيم(14)
مر بنا أن من صفات أهل الرحمة في القرآن الصبر على البلاء كما في قوله تعالي: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ}
ودلت الأحاديث والآثار على نعمة الصبر وعظيم أثره على المؤمن ففي الحديث الصحيح: عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله له خير وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له.
لكن هناك نقطة يجب أن تجلى، تحدث عنها بعض أهل العلم حين ذكروا التفاضل في الصبر ودرجاته، وهل الصبر على البلاء أفضل أم الصبر عن المعصية أم الصبر على الطاعة، ولقد فصل صاحب المدارج هذا القول فقال: «والصبر على ثلاثة أنواع: صبر على طاعة الله، وصبر عن معصية الله، وصبر على امتحان الله.
فالأولان: صبر على ما يتعلق بالكسب، وهو ما يريده المسلم فيرتقي له، والثالث: صبر على ما لا كسب للعبد فيه، فليس من اختياره ولا إرادة له فيه. ومن المعلوم أن الصبر على أداء الطاعات من أكمل أنواع الصبر، وهو أكمل من الصبر على اجتناب المحرمات وأفضل، يعلل ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية بأن مصلحة فعل الطاعة أحب إلى الشارع من مصلحة ترك المعصية، ومفسدة عدم الطاعة أبغض إليه وأكره من مفسدة وجود المعصية.
وينقل عنه ابن القيم رحمه الله دليله على ذلك فيقول: سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول: كان صبر يوسف عن مطاوعة امرأة العزيز على شأنه أكمل من صبره على إلقاء إخوته له في الجب وبيعه وتفريقهم بينه وبين أبيه فإن هذه أمور جرت عليه بغير اختياره، لا كسب له فيها ليس للعبد فيها حيلة غير الصبر، وأما صبره عن المعصية فصبر اختيار ورضى ومحاربة للنفس ولا سيما مع الأسباب التي تقوى معها دواعي الموافقة فإنه كان شاباً وداعية الشباب إليها قوية، وعزباً ليس له ما يعوضه ويرد شهوته، وغريباً والغريب لا يستحي في بلد غربته مما يستحي منه من بين أصحابه ومعارفه وأهله، ومملوكاً والمملوك أيضاً ليس وازعه كوازع الحر، والمرأة جميلة، وذات منصب، وهي سيدته، وقد غاب الرقيب، وهي الداعية له إلى نفسها، والحريصة على ذلك أشد الحرص، ومع ذلك توعدته إن لم يفعل بالسجن والصغار، ومع هذه الدواعي كلها صبر اختياراً وإيثاراً لما عند الله، وأين هذا من صبره في الجب على ما ليس من كسبه.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.