الأحد 16 ذو الحجة / 18 أغسطس 2019
02:43 م بتوقيت الدوحة

شقائق النعمان

ألفُ نابٍ!

ألفُ نابٍ!
ألفُ نابٍ!
قال: كنتُ مهموماً، لحالي وحالِ الأمة، كُلَّما قُلنا بزغَ الفجرُ اشتدَّ الظلامُ، وثارت العواصفُ، ففتشتُ أوراقَك تجسّساً فلقيتُك تشكو مثلَ شكواي، فهلاَّ أرحْتَنا من أبي الطيب، وذكرتَ قصيدتَك التي ملأتها بالأنياب؟!
قلت: أتعني.. ألفَ ناب وناب؟!
قال: هي بنابها!!
قلت: تلك قصيدة لها أسبابُها ووقتُها، وهي مليئة بالجراح، فلماذا تريد أن تنكأَ الجراحَ؟! قال: دعْك من التواضع.. وقُلْها.. فقلت: هي عندك!
سقتْكَ العوادي علقَمَ صابْ
وأسكنكَ الهمُّ أدغالَ غابْ
تعيشُ ومن حولِك الكاسِرات
وحوشٌ لها ألفُ نابٍ ونابْ
نواعمُ لكنها غادرات
نواهشُ للقلب نهش الذئابْ
تبدّتْ مخالبُها كالرماح
فأهربُ أبحثُ عن نصف بابْ!
يطاردني شؤمُها في رؤاي
بألفِ سؤالٍ، وما من جوابْ
لماذا تنكَّرَ لي من أُحبُّ؟
لماذا تغيّر حولي الصحابْ؟
تجهَّمَني أقربُ الأقربين
وعوقبتُ منهم بشرِّ العقابْ
لماذا؟ لأني منحتُ الحبيبَ
خلاصة ودِّي بدون ارتيابْ
وما كنتُ يوماً خؤوناً لهم
ولم أسعْ يوماً بسوء العتابْ
تعلمتُ من حادثات الزمان
بألاَّ أُصدِّقَ ضِحْكَ الصِّحابْ
وأن أتّقي من يكيلُ المديح
كما أتقي من يَكيلُ السِّبابْ
وكم باسِمٍ وهو يُخفي العِداءَ
بِقَلبٍ يُحاكي سوادَ الغرابْ
وتعجبُ من حِقده إن رآكَ
على خير حالٍ أشدَّ العُجابْ
فليتَ لدى (بعض) من يدّعي
معاني الوفاءِ وفاءَ الكلاب!
قال: هي مؤلمة، فدعني أفضفض أنا حولها، كي أُريحك وأريح القراء منك!
قلت: تفضل.
قال: العوادي مصائبُ الزمان، وقد سقت ذلك الشاعر العلقم المرَّ، ومن شدة وطأة الهَمِّ والغَمِّ كأنه يسكن في أدغال الغابات المليئة بالأسود والسباع، أليست كناية عن واقعنا المر؟!
من حولك، أو من حول ذلك الشاعر، وحوشٌ كاسرة، لا ترحم، أنيابها مُشرعة، إنْ سلمتَ من نابٍ تناولَك ألفُ نابٍ غيره، وهي ناعماتٌ لكنها غادراتٌ غدر الذئاب.. فأين منها المهرب، فليس لك إلا نصفُ بابٍ قد لا يسع هروبك؟
قلتُ: لا تُسرع في كلامك فأنا أكتبُ ما تقول! فابتسم، وأكمَلَ: لديك تصويرٌ نفسي عجيبٌ.. كأنَّ الشاعر يتنفسُ من ثقب إبرة!
حتى إذا أراد الهروب من واقعهِ إلى النوم، طاردته كوابيسُها بأسئلة لا جوابَ لها، فيكادُ رأسُه ينفجر..
ثم تحوَّل الشاعر إلى جَلْدِ ذاته، ولومِ نفسه، لماذا تنكر له من يحب، لماذا تغير عليه أصحابه، لماذا اكتأبتْ في وجهه وجوههم؟ أهذا جزاءُ حُبِّه لهم؟. علَّمتْه حادثاتُ الزمان ألاّ يُصدِّقَ كُلَّ من ضَحِك له من أصحابه، وأن يحذرَ من يمدحه فيبالغ، كما يحذر من يشتمه فيفجُر!.. أليس هذا ما تعنيه؟ فالتزمتُ الصمتَ!..
فقال: ثم إنه لا يَخفى تأثرُك بصاحبك أبي الطيب، فأنتَ قلتَ:
وكم باسِمٍ وهو يُخفي العِداءَ
بِقَلبٍ يُحاكي سوادَ الغرابْ
وصاحبُك يقول:
إِذا رأيتَ نُيوبَ اللَيثِ بارِزَة
فَلا تَظُنَّنَّ أَنَّ اللَيثَ يبتَسِمُ
قلتُ: أتظنُّ أني (حرامي)؟! فضحك وقال: لا.. توارد أفكارٍ وخواطر!
ثم قال: أتعلمُ ما أقسى بيتٍ فيها؟ هو أن يتمنى الشاعر لو أن بعض الذين يدَّعون الوفاءَ يتشبهون بالكلاب في وفائهم! ألم يذكر العربُ وفاءَ الكلب؟!
فَلَيْتَ لدى (بعضِ) من يدَّعي
معاني الوفاءِ؛ وفاءَ الكلاب!
يا موسى! هل تقبل مني نصيحة؟ كنْ كما قال صاحبُك:
أَنامُ مِلءَ جُفوني عَن شَوارِدِها
وَيَسهَرُ الخَلقُ جَرّاها وَيَختَصِمُ!
قلتُ: سأحاول!
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا

ماذا تعني؟!

24 مايو 2017

نفحاتٌ أندلسية

10 مايو 2017

سيوف الألحاظ

03 مايو 2017

من عجائب دنيا الناس

26 أبريل 2017

فلسفة الجود

19 أبريل 2017