السبت 20 رمضان / 25 مايو 2019
09:48 ص بتوقيت الدوحة

القاضي الثاني الشيخ ابن درهم

القاضي الثاني الشيخ ابن درهم
القاضي الثاني الشيخ ابن درهم
هو العلامة الجليل، قاضي قطر وعالمها، المعروف بأصالة نظره، ونفوذ فكره، وجودة قريحته، وعلو همته، صاحب الآداب السنية، والأخلاق الزكية، الفقيه النحرير الألمعي، والخطيب الموفق اللوذعي، الشيخ المعمر عبدالله بن أحمد بن رشيد بن زيد بن مجرن بن خزام آل درهم المشرفي التميمي، قدِم والده من نجد إلى قطر.
ولد الشيخ -رحمه الله- في النصف الأول من القرن الثالث عشر الهجري، وكان مسقط رأسه في الدوحة بحي « البِدْع « -وهو من أهم الأحياء في الدوحة- ونشأ الشيخ بها في كنف والديه، وقد اعتنى به والده اعتناءً شديداً، ولما ظهرت عليه في صغره أمارات النجابة والذكاء والنبوغ، أرسله والده إلى نجد ليطلب العلم على يد علمائها، فلازَم عالمها ومفتيها الأكبر، الشيخ عبدالرحمن بن حسن بن شيخ الإسلام الإمام محمد بن عبد الوهاب، رحمهم الله أجمعين.
قرأ الشيخ عبدالله بن درهم -رحمه الله- على الشيخ عبدالرحمن في الفروع والأصول، وتفقه به في مذهب إمام أهل السنة الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله، وبعد أن نهل من العلوم ما يسر الله له، وغرف من الأدب ما جمّله، رجع إلى بلده ومسقط رأسه قطر، فجلس للتدريس سيراً على دأب السلف الصالحين، وعملاً بقوله تعالى: { فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون }.
اتخذ الشيخ مجلساً يستقبل فيه طلبة العلم وغيرهم، وكان الناس يقصدونه أيضاً في مسجده طلباً للعلم، إذ كان يعقد في مسجده حلقات ودروس علمية، ومراعاة لحال طلابه والآخذين عنه، كانت دروسه منتظمة من حيث الوقت، وكان يلتزم بها التزاماً -رحمه الله- حرصاً منه على نفع أبناء الأمة، وانتفع به خلق كثير، أشهرهم:
ابنه الأديب اللبيب، عبدالرحمن، والمؤرخ الشيخ محمد بن أحمد آل ثاني، والشيخ عبدالله بن أحمد آل ثاني، والشيخ خالد بن محمد الغانم.
ولما بزغ نجم الشيخ عبدالله، وانتشر بين الناس علمه، وعرف أدبه وورعه، واشتهر شغفه بالعلم وولعه، عينه الشيخ قاسم بن محمد آل ثاني -رحمه الله- قاضياً على البلاد، وكان ذلك عام 1310هـ، خلفاً للقاضي الفقيه العلامة ابن حمدان، فكان خير خلف لخير سلف رحمهم الله أجمعين.
واستمر الشيخ عبدالله -رحمه الله- في القضاء أربعاً وعشرين عاماً، كان فيها قاضياً ومعلماً ورعاً شهماً كريماً، وعلى قدر رفيع في حل المنازعات والأمور الشرعية، وكان مستشاراً أميناً للقضايا التي يعرضها عليه الشيخ جاسم بن محمد، وكان -رحمه الله- على مذهب الإمام أحمد بن حنبل، وهو مذهب البلاد الذي عليه القضاء والفتوى.
ولما بني الشيخ قاسم بن محمد -رحمه الله- مسجد «أبوالقبيب» عَيّن الشيخَ عبدالله بن درهم من قِبَل الشيخ قاسم إماماً فيه وخطيباً، فحاز الأولية في ذلك.. وكان يقضي بين الناس في دكة ظهر المسجد غالباً، وكان يحتفظ ببعض الأقضية المدونة، إن طلبت منه في (بشتخته) وهو صندوق تحفظ فيه الأوراق المهمة.. ولما تقدم به السن، وبلغ من الكبَر عتياً، عُيِّن الشيخ محمد بن جابر مساعداً له -رحمه الله-.
وكان رحمه الله لا يحب التميز، ولا الخروج عن عادات بلده، فقد حدثني الشيخ خالد بن درهم عن والده أن الشيخ محمد بن عبدالعزيز المانع أخبره أنه لما قدم إلى قطر كان يلبس العمامة الأزهرية، وذلك لكونه درس بالأزهر، فما كان من الشيخ عبدالله -وهو شيخه الذي دربه على الخطابة- إلا أن ألقى بتلك العمامة من رأسه، مستعمِلاً عصاته لا يده، وأعقب فعله بقوله له: «عليك بلباس علماء بلدك».
وفي هذا إشارة إلى أن المرء ينبغي أن يراعي عادات البلد الذي يكون فيه، وتقاليدهم في لباسهم وتعاملهم، ما لم تكن مخالفة للشريعة، والعادة محكّمة كما يقول الفقهاء.
وقد أنعم الله على الشيخ عبدالله بأولاد بررة: الشيخ عبدالرحمن، وعبدالعزيز، وسعد، وناصر، وأحمد، لما ولد له أحمد كان عمره قد جاوز التسعين -رحمه الله-، وقد تزوج ابنته فضيلة الشيخ عبدالرحمن بن محمد السنيدي -أول إمام وخطيب بجامع الشيوخ-.
وبعد ما توفي الشيخ قاسم -رحمه الله- وتولى ابنه عبدالله الأمر، استمر الشيخ عبدالله بن درهم على ما كان عليه إلى أن وافته المنية، ووصله أجله، في الثامن والعشرين من شهر الله المحرم، سنة 1336هـ، وكان قد عمر حتى جاوز المائة -رحمه الله-.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.