الإثنين 13 شوال / 17 يونيو 2019
08:36 ص بتوقيت الدوحة

حصرياً على صفحات «العرب» طوال أيام شهر رمضان المعظم

القرضاوي يكتب عن القضايا المبدئية والمصيرية الكبرى للإنسان

الدوحة - العرب

السبت، 27 مايو 2017
القرضاوي
القرضاوي
تنشر «العرب» وبصورة حصرية على صفحات ملحق رمضان طوال أيام الشهر المعظم، حلقات من كتاب العلامة الشيخ يوسف القرضاوي، والذي جاء بعنوان: «القضايا المبدئية والمصيرية الكبرى للإنسان: ماذا أنا؟ ومن أين؟ وإلى أين؟ ولِمَ؟»
وجاء في مقدمة الكتاب: «هذا الكتاب أكتبه في أواخر حياتي، لا أريد أن أخاطب به المسلمين الذين أنا منهم ابتداءً، بل أريد أن أخاطب به غير المسلمين أولاً، سواء أكان لهم دين وثني أم كتابي، أم لم يكن لهم كتاب ولا رسول، أم لم يؤمنوا بأي دين قط، كما هو شأن الملاحدة، الذين لا يؤمنون بإله واحد ولا متعدد، ولا يؤمنون بحياة آخرة بعد هذه الحياة التي نعيشها، فهم لا يؤمنون بأن لهذا الكون إلهًا، ولا بأن لهذا الإنسان روحًا، ولا بأن مع هذه الدنيا آخرة، لهذا كان لا بد لكل إنسان أن يفكر في أمره بصراحة وشجاعة، أمر نفسه ومصيره: ما هو؟
لا بد لكل من في هذه الدنيا أن يموت، رجلاً كان أو امرأة، غنيًّا كان أو فقيرًا، متعلِّمًا أو أميًّا، فهل الموت فناء محض؟ فلماذا كانت الحياة؟ أم هناك حياة أخرى؟ وما هذه الحياة؟ وهل لها مِنَّا مطالب؟ وما هي؟
لا بد أن يُعمِل الإنسان عقلَه في هذه القضية الكبيرة، التي ينبغي أن تقدَّم على كل القضايا، السياسية والاقتصادية، والعلمية والتِّقنية، التي يبحث فيها الناس ويتكلمون، ويُصدرون توصيات وقرارات، وقد لا يستطيعون أن يصلوا فيها إلى شيء يُجمِع عليه الناس، إذا تأخرت الأفكار وتحكَّمت الأهواء، وتصدرت الشهوات، وغلبت المصالح الشخصية أو الحزبية أو الفئوية.
لا بد للناس أن تؤرقهم وتوقظهم وتتعبهم هذه القضية الكبرى، التي يبحث كل إنسان فيها عن هويته، وعن موقعه في هذا الوجود، وخصوصًا بعد أن يُنقض هذا الكيان القائم، وهو الكون، ويأتي كيان آخر: ماذا له فيه؟
مَن لا يؤمنون بأن لهم ربًّا خلقهم، وخلق هذا الكون، ودبَّره لهم، يعتبرون حياتهم عبثًا، ولغطًا لا معنى له، وسوقًا تقوم وتنفضُّ، ولا شيء وراءها، وإذا بحث الإنسان في قضية «المصير»، فلا بد أن يجرَّه ذلك إلى قضية «المبدأ»، من أين أتيتُ؟ ومَن جاء بي؟ ومَن الذي جاء بهذا العالم الكبير من فوقي ومن تحتي؟ ولماذا هذه المخلوقات الكثيرة من حولي؟ وما المقصود منها؟
وأما أهل الإيمان بالدين وبالله وبالبعث لحياة أخرى، فيقولون: «والله لتموتُنَّ كما تنامون، ولتبعثُن كما تستيقظون، ولتحاسبُن بما تعملون، ولتُجْزَوُنَّ بالإحسان إحسانًا، وبالسوء سوءًا، وإنها لجنة أبدًا، أو لنار أبدًا».
هذا ما يقوله المؤمنون بالدار الآخرة، وأن في الآخرة الجنة والنار، دار الخلود الأبدي، دار الثواب لأهل الدين والخير والصلاح، أو دار العقاب لأهل الكفر والسوء والفساد، {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} [الزلزلة:7-8]، وعلى كل ذي دين، وعلى المسلمين خاصة أن يبلِّغوا مضمون ذلك إلى الأمم الأخرى، والملل الأخرى، وإلى من لا ملة لهم.
وإن كان المسلمون مخاطبين بهذا الكتاب من ناحية: أن عليهم أن يتعلَّموا أن من واجباتهم الأولية التي فرضها عليهم دينهم، وألزمهم بها كتاب ربهم، وسنة نبيهم: أن يدعوا غير المسلمين إلى الإسلام -والإسلام هو الدين الذي بُعِثَ به كل الرسل، وأنـزلت به كل الكتب- وأن يتلوا قول الله تعالى: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [يوسف:108].
كل المسلمين مطالبون بذلك، وأهل العلم الشرعي، وأصحاب الدعوة الإسلامية منهم خاصة: مطالبون مطالبة أساسية بدعوة من لا دين لهم، ودعوة غير المسلمين إلى الإسلام.
نحن -المسلمين- جميعًا نعلم: أن ديننا منذ بُعِث به نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- بمكة المكرمة دينٌ عالمي، لم يكن يومًا دينًا قوميًّا أو محليًّا، بل هو دين عالمي، أعلن ذلك الرسول الذي أنـزل الله عليه كتابه الخالد «القرآن الكريم»، وعلَّمه في هذا القرآن أنه مبعوث إلى الناس كافة، عربِهم وعجمهم، أبيضهم وأسودهم وأصفرهم، شرقيِّهم وغربيهم، شماليهم وجنوبيهم، وهو ما نطق به القرآن العظيم في سوره المكية -أي التي تلاها الرسول بمكة، قبل أن يهاجر إلى المدينة- وقرأها وبلَّغها للناس، وعرف الخاص والعام أنها من القرآن المكي، قال تعالى: {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا} [الفرقان:1].
والفرقان هو القرآن، الذي فرَّق الله به بين الحق والباطل.
وقال تعالى يخاطب رسوله محمدًا بصريح العبارة: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاًّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء:107]، هنا حصر القرآن رسالة محمد الذي خاطبه، بأنها رحمة، ولكن ليست للعرب وحدهم، ولا للمسلمين وحدهم، ولكنها للعالمين، كل العالمين.
وقال عز وجل: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا} [الأعراف:158]، وقال سبحانه: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا} [سبأ:28]، وتكرر في السور المكية وصف القرآن بأنه «ذِكْر للعالمين» أو «ذكرى للعالمين»، ويكفينا قول الله تعالى، الذي ختم به سورة (ص): {إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ * وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ} [ص:87-88]، وختم سورة (ن) بقوله عن القرآن: {وَمَا هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ} [ن:52]، وكذلك جاء في سورة التكوير: {إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ} [التكوير:27]، هذه الآيات وغيرها أوجبت على المسلمين أن يعرفوا من قرآنهم: أنهم أمة دعوة، وأن عليهم أن يوصِّلوا إلى العالم في كل مكان، وبأي لغة تُتَكلَّم رسالةَ القرآن ودعوةَ الإسلام.
ولذلك يعتبر العلماءُ الناسَ قسمين: أمة الإجابة، وهم الذين استجابوا لنداء الإسلام، وأسلموا، ودخلوا في الإسلام، وأصبحوا مسلمين، وبقية العالم تعتبر: أمة دعوة؛ لأنهم مدعوُّون أبدًا إلى الإسلام.
ولكن هل بلَّغهم المسلمون؟
في ظني أن المسلمين مقصِّرون فيما عليهم، وعليهم أن يضاعفوا جهدهم، ويبذلوا أقصى ما يستطيعون، ليحصلوا على غايتهم، أو قليلاً منها، عسى أن يصلوا شيئًا فشيئًا إلى ما يريدون.
ولكنَّ وراءهم مطلوباتٍ كثيرةً، حتى يحققوا ما يهدفون إليه، وأوَّلها إعداد الدعاة القادرين على إيصال الدعوة، بكل لغة إلى الناس، باللغات الفصيحة، وباللغات الدارجة، وبلغة الحديث العادي، وبالدراما والقصة القصيرة، والرواية والمسرحية، وكل ألوان الثقافة، والله هو المعين.
إن البشرية شغلت نفسها بأمور كثيرة، من أجل أوطانها، ومن أجل غيرهم، ومن أجل أمور العيش ومطالب الحياة، ومن أجل أمور أخرى، بعضها يتعلق بالسياسة، وبعضها يتعلق بالثقافة، وبعضها يتعلق بالهُوية.
واختلف الناس فيما بينهم كثيرًا، وتحاربوا وتعادَوْا، وأحيانًا يتفقون، بفعل نـزعات الخير في بعض بني الإنسان، واستجابة بعض القادة لها، ثم سرعان ما يغلب الشرُّ الخيرَ، وتعود المعركة كما كانت، ولا يزال الإنسان يعاني من هذه الويلات.


التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.