الأحد 21 رمضان / 26 مايو 2019
09:58 م بتوقيت الدوحة

شقائق النعمان

ماذا تعني؟!

ماذا تعني؟!
ماذا تعني؟!
عندما تفيض النفس عند امتلائها، فيقول أبو الطيب مثلاً:
شَرُّ البِلادِ بلادٌ لا صَديقَ بِهِا
وَشَرُّ ما يَكسِبُ الإِنسانُ ما يَصِمُ
فهل تراه قالها من فراغٍ؟ أم إنَّ روحه بلغت غاية الضيق، وفاضت نفسُه شاكية من غربتها، في بلادٍ لا صديق بها، وماذا يفعل ببلادٍ لا صديق بها؟!
خوفُ النفس لا أمان معه، وإذا فُقد الأمان فُقد طعم الحياة، ولا طعم للحياة بلا صديقٍ يبثه أبو الطيب شكواه! وأعظمُ غربة هي أن يكون بين أناسٍ جامدي المشاعر، ضعاف العقول، والتفكير.. الغريب أنك يا أبا الطيب ملأت السمع والبصر، وأحاطت بك الدنيا، فشغلْتها وشَغلَتك، وتاق الناس إلى شعرك ولقائك، وفخرت بك المجالس.. ومع كل هذا تشكو من عدم الصديق. ماذا تعني يا أبا الطيب؟!.
أي بلادٍ تلك التي وصفتها بالشَّرِّ؛ لأنك لم تجد فيها الصديق الصدوق؟ أهي التي عنيتَها بقولك؟:
وَلَكِنَّ الفَتى العَرَبي فِيهَا
غَرِيبُ الوَجْهِ وَاليَدِ وَاللِّسَانِ!!
أجاب بما ينبئ عن يأسٍ في نفسه عظيمٍ، حتى رأى أنَّ موتَه فيه الشفاءُ لدائه، والمنايا أصبحتْ أمنياتِه:
كفى بكَ داءً أنْ ترَى الموْتَ شافِيَا
وَحَسْبُ المَنَايَا أنْ يكُنّ أمانِيَا
المصيبة يا أبا الطيب إذا وجدتَ مَنْ صداقتُه مُضِرَّة مؤلمةٌ:
وَمِنَ العَداوَة ما يَنَالُكَ نَفْعُهُ
وَمِنَ الصّداقَة ما يَضُرّ وَيُؤلِمُ
فاضت نفسُه، فعلمتُ أنه تمنى الموت، ليشفيه مما يجد، لأنه لم يجد صديقاً صادقاً، ولا عدواً يستر العداوة!:
تَمَنّيْتَهَا لمّا تَمَنّيْتَ أنْ تَرَى
صَديقاً فأعْيَا أوْ عَدُواً مُداجِيَا!
هي شكواك القديمة:
بِمَ التّعَلّلُ لا أهْلٌ وَلا وَطَنُ
وَلا نَديمٌ وَلا كأسٌ وَلا سَكَنُ؟!
يا أبا الطيب.. ماذا تعني بقولك؟!:
حَبَبتُكَ قَلبي قَبلَ حُبِّكَ مَن نَأى
وَقَد كانَ غَدّاراً فَكُن أَنتَ وافِيا!
كأني فهمتُ أن من أحببته لا يستحق هذه المحبة التي كادت تُزْهِقُ روحَك، وتطلب من قلبك الوفاء، إذْ غدَرَ بك من أحببتَه.. أهكذا يا أبا الطيب؟!.. ألم تطلبْ من قلبك أن يقلل الاشتياق لمن لا يشتاق إليك، ولا يُصفي لك الوداد كما تُصفي له؟!:
أَقِلَّ اشتِياقاً أَيُّها القَلبُ رُبَّما
رَأَيتُكَ تُصفي الوُدَّ مَن لَيسَ جازِيا
وماذا تعني بقولك يا أبا الطيب؟!:
وَأظلَمُ أهلِ الظّلمِ مَن باتَ حاسِدا
لمَنْ بَاتَ في نَعْمائِهِ يَتَقَلّبُ
وماذا تعني بقولك؟!:
قَضَى الله يا كافُورُ أنّكَ أوّلٌ
وَلَيسَ بقَاضٍ أنْ يُرَى لكَ ثَان!
كنتُ أظنُّ أنك مدحتَ الرجل، فأحسنتُ بك ظنَّي؛ حتى تذكرتُ قولك:
يُعَدُّ إذا عُدَّ العجائِبُ أوّلا
كما يُبتدا في العدِّ بالأصبَعِ الصُغرى!
فعلمتُ أنك تتهكم بالرجل! إذن هو أولُ العجائب عندك لكنهُ أصغرُها!.
وقد كنتَ مرة جعلته آية من آياتِ الله!. لم تُبقِ ذمَّاً إلا جعلتَه فيه، سامحك الله:
وللَه آياتٌ ولَيسَتَ كهَذهِ
أظُنُّكَ يا كافورُ آيتَهُ الكبرى!
وماذا تعني بقولك!:
وَفُؤادي مِنَ المُلُوكِ وَإن كانَ
لِساني يُرَى منَ الشّعراءِ!
فَهِم الأذكياء، ولكنْ هل يفهم الأغبياء ماذا تعني؟! هؤلاء سخفاء العقول.
إلى متى الشكوى يا أبا الطيب؟! قال:
ألا لَيْتَ شِعري هَلْ أقولُ قَصِيدَة
فَلا أشْتَكي فيها وَلا أتَعَتّبُ؟!
نفثة مصدور!:
قال أبو تمّام:
شَكَوْتُ وما الشَّكْوَى لِنَفْسِي عادَةٌ
ولكنْ تفيضُ النفسُ عندَ امتلائها!!
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا

ألفُ نابٍ!

31 مايو 2017

نفحاتٌ أندلسية

10 مايو 2017

سيوف الألحاظ

03 مايو 2017

من عجائب دنيا الناس

26 أبريل 2017

فلسفة الجود

19 أبريل 2017