الخميس 19 محرم / 19 سبتمبر 2019
04:22 م بتوقيت الدوحة

مصير اليمن.. بين بيان صنعاء وإعلان عدن

مصير  اليمن.. بين بيان صنعاء وإعلان عدن
مصير اليمن.. بين بيان صنعاء وإعلان عدن
مسكينة هي الجماهير العربية. لشدة ما عانته ومرت به تعلقت بكل أمل مهما كان ضعيفاً، وصدقت كل من يعد بتحقيقه، مهما كانت خيبات تاريخه وهنات مصداقيته. فعبر التاريخ العربي الحديث رفعت رايات كثيرة بعضها لتحرير القدس، وأخرى لاستقلال الأمة وتوحيدها. وفي كل مرة، كنا نقع في فخ الدعاية، ونصدق الوعود من إلقاء إسرائيل في البحر إلى أم المعارك، وفي كل مرة نستيقظ على نكسة وهزيمة، وتبريرات بالخيانة والمؤامرة.. ونصدق، ونثق، ونحلم من جديد.. لا نتعلم من الدروس.. ولا نتوب!
لم نفق بعد من أكذوبة الحوثي بتحقيق النصر الإلهي، وتلبية مطالب الجماهير… بتحرير فلسطين وهزيمة إسرائيل والوقوف في وجه الاستكبار العالمي وشيطانه الأكبر، أميركا.. الأكذوبة التي تكررت في العقود الأخيرة، واستنسخت من إيران إلى العراق وسوريا ولبنان، ومع ذلك وجدت من يصفق لها ويصدقها في اليمن، ويتناسى التاريخ الدموي التخريبي لمن أطلقوها. لم يكد الحالمون يستقيظون من أكذوبة الحوثي حتى جاء وعد جديد. فمن إعلان صنعاء الانقلابي، إلى إعلان عدن الانفصالي.. وعد «جديد-قديم» بتحقيق الأحلام وتلبية المطالب!
الغريب أن الجماهير الموهومة، كما في كل مرة، تنسى أو تتناسى تاريخ أصحاب الوعود رغم قرب العهد.. ألم يرفعوا هم أنفسهم الشعار الماركسي (الوحدة أو الموت) حتى فرضوا الوحدة القسرية في ١٩٩٠؟ ثم خرجوا علينا من الضاحية الجنوبية في بيروت، وتحت رعاية إيران وحماية حزب الله، وعبر محطته الفضائية وآلته الدعائية بشعار «الانفصال أو الموت»؟ ومن يضمن غداً أن يخرجوا علينا بشعار «ولاية الفقيه أو الموت»؟!
لنضع الأحداث في سياقها أيها السادة. قيادات حراكية تسنمت مناصب قيادية تحت مظلة الشرعية فرضيت. ثم أقيلت فأعلنت الثورة والانفصال. ألا يذكركم هذا المشهد بتاريخنا؟ أليس هذا ما يحدث اليوم في ليبيا؟ كل الحركات والثورات والانقلابات تخرج باسم الشعب والأمة.. باسم الحاضر والمستقبل.. باسم الدين والعروبة.. وليس باسم المصالح الشخصية والحزبية والكراسي والحسابات البنكية! ونحن في كل مرة نصدق.. ونصدق.. ونصدق! ربما، إذن، نستحق ما ننتهي إليه!
نعود إلى بيان عدن وتأسيس المجلس السياسي للجنوب، ونسأل أنفسنا من المستفيد؟ في الوقت الذي توشك فيه قوات التحالف العربي وبدعم من الغرب، وتحت مظلة الأمم المتحدة، على تحرير ما تبقى من أراضي اليمن، وإعادة بنائه وإنمائه ودخوله مجلس التعاون الخليجي، يخرج علينا من يؤكد ادعاءات الانقلابيين بأن حرب التحرير ودعم الشرعية ووحدة اليمن هي في واقع الأمر حرب الانفصال والاستيلاء والضم. كيف نكسب الدعم الدولي ونبرر مواجهة انقلاب والسماح بآخر؟
نعم هناك مطالب مشروعة لأهلنا في الجنوب، فهذه وحدة فرضت عليهم، باتفاق بين القيادات (على الطريقة العربية) وليس باستفتاء الشعوب. وهذا الظلم رسخته حكومة المخلوع بالاستيلاء على مقدرات الجنوب وتحويلها إلى الحسابات الشخصية، وحرمان حتى المناطق النفطية من التنمية والخدمات والوظائف، مما أدى إلى «الهبة الحضرمية». إلا أن هذه المظالم طرحت في مؤتمر الحوار الوطني في صنعاء برعاية دول الخليج والمجتمع الدولي، وشارك فيها الحراك الجنوبي وقيادات الجنوب، وتم الاتفاق على تحويل دولة الوحدة المطلقة إلى اتحادية فيدرالية ، ويحصل الجنوب على حكم ذاتي وبرلمان وحكومة، وأولوية الاستفادة من موارده، ويتبع ذلك استفتاء عام لتكريس خيار وحكم الشعب عبر صناديق الانتخاب، لا اختيار وحكم الشارع والحزب والعسكر لديمقراطية الدولة، لا قسرية النخبة وفوضوية الحشود.
أقول لأحبتي الذين راجعوني في موقفي من بيان عدن والمجلس السياسي الجنوبي، لا تستغفلنكم البيانات العنترية، والعزف على المظلومية، فمصلحتكم آخر ما يعني الانفصاليين. استحضروا تاريخهم الماركسي الدموي المدمر… وتذكروا أن حلمكم بحكم رشيد لا يحققه إلا الراشدون!
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.