الثلاثاء 14 شوال / 18 يونيو 2019
07:35 ص بتوقيت الدوحة

شقائق النعمان

نفحاتٌ أندلسية

نفحاتٌ أندلسية
نفحاتٌ أندلسية
الفردوس المفقود، هكذا سمّاها العرب الذين فرّطوا في الأندلس حتى فقدوها، وضيعوا معها مثلها عبر تاريخهم، وواقعنا شاهدٌ على ضياعهم!
ما زلنا نذكر أندلُسا
نبكيها في صبحٍ ومَسا
ليستْ أندلُسًا واحدة
فلَكَم ضيّعنا أندلُسا!
سرحتُ بفكري في جمال جبالها، وفتنة ظبائها، وعليل نسيمها، وتذكرتُ هُيامَ شاعرها ابن زيدون (1071م) بالأميرة الأندلسية الولاّدة بنت المستكفي (1091م)، وقصيدته التي لم تمُت مع ما مات من شعر الأندلس، بل ظلّ قلبُها ينبض عشقاً، كقلب شاعرها، فهو يشكو من حُبّه لها، وبُعدِها عنه، بأرقى العبارات وأرقِّ الألفاظ، وأحسن المعاني، ويقارن بين أمسه العذب، ويومه العذاب، وشتان ما بين العذوبة والعذاب، فيتعجب كيف حلّ الهجر والبعد مكان القرب، وحلّ الجفاءُ بيننا بدلاً عن طيب اللقاء:
أضْحَى التّنائي بَديلاً منْ تَدانِينَا
وَنَابَ عَنْ طيبِ لُقْيانَا تجافينَا
ألاّ وَقَد حانَ صُبحُ البَينِ صَبّحَنا
حَيْنٌ، فَقَامَ بِنَا للحَيْنِ نَاعيِنَا
هل من أحدٍ يبلغ الأحبة الذين ألبسونا حزناً دائماً بفراقهم وجفوتهم أن ذلك الزمان الذي كنا نضاحكهم فيه، ونأنسُ بقربهم، قد أصبح يُبكينا؟!:
مَنْ مبلغُ الملبسِينا بانتزاحِهمُ
حُزْناً، معَ الدهرِ لا يبلى ويُبْلينَا
أَنَّ الزَمانَ الَّذي ما زالَ يُضحِكُنا
أُنساً بِقُربِهِمُ قَد عادَ يُبكينا؟!
عينٌ أصابتنا، وحقد علينا الأعداء، وحسدونا لما رأونا نسقي بعضنا ماء الهوى، فدعَوا علينا أن نغصَّ فرفع الدهرُ يديه وقال: آمين:
غِيظَ العِدا مِنْ تَساقِينا الهوَى فدعَوْا
بِأنْ نَغَصَّ، فَقالَ الدهر آمينَا
كنا لا نخشى الفراق، واليوم لا أمل في اللقاء:
وَقَدْ نَكُونُ وَمَا يُخشَى تَفَرّقُنا
فاليومَ نحنُ، ومَا يُرْجى تَلاقينَا
لا تحسبوا أننا خُنّا عهدكم، فليس لكم عندنا إلا الوفاء:
لم نعتقدْ بعدكمْ إلاّ الوفاء لكُمْ
رَأياً، ولَمْ نَتَقلّدْ غَيرَهُ دِينَا
ومنذ ابتعدتم عنا، وفارقناكم لم تجفّ دموعنا، ولم يهدأ شوقنا، وإذا ذكرناكم نكاد نموت من الحزن لولا صبرنا:
بِنْتُم وَبِنّا فَما ابتَلّتْ جَوَانِحُنَا
شَوْقاً إلَيكُمْ وَلا جَفّتْ مآقِينَا
نَكادُ حِينَ تُنَاجِيكُمْ ضَمائرُنا
يَقضي علَينا الأسَى لَوْلا تأسّينَا
اسودّت أيامنا بعدكم، بعد أن كانت ليالينا السودُ بيضاً في عهدكم:
حَالَتْ لِفقدِكُمُ أيّامُنا فغَدَتْ
سُوداً وكانتْ بكُمْ بِيضاً لَيَالِينَا
سقى الله أيامَ وصلكم:
ليُسقَ عَهدُكُمُ عَهدُ السّرُورِ فَما
كُنْتُمْ لأروَاحِنَ‍ا إلاّ رَياحينَ‍ا
لم نتغير بعدكم، ومن عادة البُعد أن يُغيّر المحبين، فنحن باقون على العهد:
لا تَحْسَبُوا نَأيَكُمْ عَنّا يغيّرُنا
أنْ طالَما غَيّرَ النّأي المُحِبّينَا!
وَاللهِ مَا طَلَبَتْ أهْواؤنَا بَدَلاً
مِنْكُمْ، وَلا انصرَفتْ عنكمْ أمانينَا
لم نذكر اسمك إجلالاً لك وإكراماً؛ لأن شريف نسبك وحسبك وقدرك العالي يغني عن ذكر اسمك:
لَسنا نُسَمّيكِ إجْلالاً وَتَكْرِمَةً
وَقَدْرُكِ المُعْتَلي عَنْ ذاك يُغْنِينَا
ذهبت تلك الأيام، بعد أن كان الوصلُ ثالثنا، والسعد يغيظ أعداءنا، ولنا أملٌ في لقياكم بعد الممات:
كأنّنَا لم نبِتْ والوصلُ ثالثُنَا
وَالسّعدُ قَدْ غَضَّ من أجفانِ وَاشينَا
إنْ كان قد عزّ في الدّنيا اللّقاءُ بكمْ
في مَوْقِفِ الحَشرِ نَلقاكُمْ وَتَلْقُونَا
ولنا رجاء أن تبقي على العهد، فهذا طبع كريم النفس، وأصيل الأصل:
دومي على العهدِ ما دُمنا مُحافِظة
فالحرُّ مَنْ دانَ إنْصافاً كما دينَا
فَما استعضْنا خَليلاً منكِ يحبسُنا
وَلا استفدْنا حبِيباً عنكِ يُثنينَا
أخيراً:
إليكِ منّا سَلامُ اللَّهِ ما بَقِيَتْ
صَبَابَةٌ بِكِ نُخْفِيهَا فَتُخْفِينَا!
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا

ألفُ نابٍ!

31 مايو 2017

ماذا تعني؟!

24 مايو 2017

سيوف الألحاظ

03 مايو 2017

من عجائب دنيا الناس

26 أبريل 2017

فلسفة الجود

19 أبريل 2017