الأربعاء 13 رجب / 20 مارس 2019
02:10 م بتوقيت الدوحة

شقائق النعمان

سيوف الألحاظ

333
سيوف الألحاظ
سيوف الألحاظ
عشق العرب كل معاني الجمال، وبرعوا في وصف هذا الجمال، فلم يطاولهم في عشقهم ووصفهم أحدٌ.
سقطوا قتلى تحت ظلال الأهداب، وهاموا بسحرها، فأذابتهم الأعينُ الواسعات الفاتنات، على أنهم فرسانٌ يذيبون الحديد بسيوفهم، لكنّ سيوف الجفون أمضى منها:
نحن قومٌ تُذِيبُنا الأعينُ النُّجْلُ
على أننا نُذِيبُ الحديدا!!
بالغوا في تسميتها بالسيوف، أليست كالسيوف في تأثيرها؟! ألم ينتفض أشجعُ شجعان العرب عنترة بن شداد العبسي؛ خوفاً من سيوف ألحاظ محبوبته (عبلة)؟ وهو الذي تخافه شجعانُ العرب.
رآها فسلّت سيوفاً قاتلةً من جفنيها الساجيتين، ذكّرته بسيف أبيها مرهف الحدِّ:
وَسَلَّت حُساماً مِن سَواجي جُفونِها
كَسَيفِ أَبيها القاطِعِ المُرهَفِ الحَدِّ
العيون الساجية، هي الناعسة، الفاتنة الساحرة، هي فتنةٌ في نفسها، فكيف إذا سلت سيف فتنتها الذي يشبه في تأثيره سيف أبيها الشجاع؟ لكنها تقاتل بسيف ألحاظها وهو في غمده، فاعجب لسيفٍ يقطع وهو مُغمدٌ:
تُقاتِلُ عَيناها بِهِ وَهوَ مُغمَدٌ
وَمِن عَجَبٍ أَن يَقطَعَ السيفُ في الغِمدِ!
لا أدري لماذا سرى هذا الشعور حتى استقر في عقل الشاعر السوداني: إدريس جمَّاع (١٩٨٠م) الذي وصفوه بالجنون، ولا أعلم من الذي يستحق هذا الوصف هو أم من وصفه؟!
له قصة مشهورة، عندما ذهب للعلاج في مستشفى بلندن، فرأى عيني ممرضته فهام بها، وتغزّل بها، فشكته إلى المسؤولين هناك، فأمروها أن تضع على عينيها نظارةً سوداء، فلما دخلت عليه، وظنت أنها ستسلم من غزله، قال:
السَّيفُ في الغِمدِ لا تُخشى مضاربه
وسيفُ عَينيكِ في الحالين بتارُ!!
فيقال إنها عندما تُرجم لها هذا البيت بكت!.
سحرته عيناها فلم يكتم ما يجد رغم مرضه، فكأنها الخمر تذهب العقل:
وَعَينانِ قالَ اللَهُ كونا فَكانَتا
فَعولانِ بِالأَلبابِ ما تَفَعلُ الخَمرُ!
ومن جميل ما حفظته في صغري أبياتٌ عجيبة، يشكو فيها الشاعر من حدة سيوف عيني المحبوبة، التي حسدته عليها عيون الزمان!:
لي حبيبٌ إذا نظرتُ إليه
سلَّ سيفاً عليَّ من مقلتيهِ
لم أحصل منها على مبتغى، لكنّها ملكت مهجتي وجفتني
أخذ الله بعضَ حقَّي منه
قد جفاني ومهجتي في يديهِ
وعبثاً حاول أن ينساها، وتوسل إلى فؤاده أن يتركها، فكأنه شجع فؤاده ألا يميل إلى أحدٍ سواها:
كلما قلتُ يا فؤادي دعْهُ
لا يميلُ الفؤادُ إلا إليه!
ثم يشكو حسد الزمان:
هو سُؤلي من الأنام ولكنْ
حسدتني عينُ الزمان عليهِ!
بالغ العربُ كثيراً في وصف تأثير العيون على القلوب، فاشتهر على ألسنة الناس تلك الأبيات:
لَهَا مُقْلَة لَو أنَّهَا نَظَرَتْ بِهَا
إِلَى رَاهِبٍ قَد صَام لِلّه وَابْتَهِلْ
لأصْبَح مَفْتُوْناً مُعَنَّى بِحُبِّهَا
كَأَن لَم يَصُم لِلّه يَوْمَاً وَلَم يصل!
أما إيليا أبو ماضي فلم يجد مهرباً من سحر العيون إلا إلى التعوذ منها! وما أجمل ما قال:
ليت الذي خَلق العُيون السّودا
خلق القلوبَ الخافقاتِ حديدا
لولا نواعسُها و لولا سِحرُها
ما ودّ مالك قلبه لو صيدا
عوّذ فؤادك من نبال لحاظها
أو مُتْ كما شاء الغرامُ شهيدا!!
مصيبته نظرةٌ خاطفةٌ أوقدت النيران في أعماق فؤاده:
هي نظرةٌ عَرَضَتْ فَصارتْ في الحشا
ناراً و صَار لها الفؤادُ وقودا!
إلى اللقاء.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا

ألفُ نابٍ!

31 مايو 2017

ماذا تعني؟!

24 مايو 2017

نفحاتٌ أندلسية

10 مايو 2017

من عجائب دنيا الناس

26 أبريل 2017

فلسفة الجود

19 أبريل 2017