الإثنين 17 ذو الحجة / 19 أغسطس 2019
07:33 م بتوقيت الدوحة

لن أتوقّف عن الصّمت!

لن أتوقّف عن الصّمت!
لن أتوقّف عن الصّمت!
علّمونا ونحن صغار أنّ «الصمت من ذهب»، وكان جدّي لأمّي يكرّر لي البيت: يموت الفتى من عثرةٍ من لسانِهِ/وليس يموت المرءُ من عثرة الرّجْلِ، وقديماً قال جدّنا أكثم بن صيفي: «الصمت حُكمٌ وقليلٌ فاعله».
كبرنا، واكتشفنا أنّ الصمت ليس فضيلة دائماً، وأنّه قد يسبّب التوتّر، ويكرّس الظلم. أذكر أنّ الشيخ يوسف المطلق دعاني إلى عشاء في منزله، ولم يمض سوى ليلتين على استشهاد الشيخ عبد الله عزّام. ولمّا وُضع العشاء، شرع أحد الضيوف في النيل من الشيخ الشهيد، فلم أنبس ببنت شفة. استمرّ يلتهم اللقمة تلو الأخرى، وهو يهاجم الشيخ، حتى قال: «تراه من الإخوان! تراه من ربع سيّد قطب، تراه رفيق سيّاف، عدوّ التوحيد»! ثمّ أردف، وهو يغرس أصابعه في «المفطّح»، والدّهن يقطر من لحيته الكثّة: «يمكن خير له أنه في قبره»! عقد الصمت لساني، ولا أدري لماذا لم أحتج. ربّما لأنّ المهاجم كان وقتها يهدر ويزمجر، وفي المجلس من هم في نظري أولى بالردّ مني، غير أنّي ما ندمت على صمتٍ قط كندمي يومئذ. شعرت أنّني فرّطت في جنب الله، وأنّني أحجمت عن قول كلمة حق في موضعها، ولم أنتصر لأخ مسلم في موطن كان يجب عليّ فيه نصرته.
كرّت الأيّام، وكنت أرفع صوتي ضدّ ما أعتقد أنّه خطأ أو ظلم. دفعت بعض الأثمان لاتساقي مع نفسي وانحيازي إلى قيمي، وقلّما كنتُ «أسدّد وأٌقارب» في مواقف لا تحتمل غير اللونين الأبيض والأسود. وكان بعض الأصدقاء يفسّر ذلك بوصفه «حدّة»، وهو في حقيقة الأمر «بلاغة»، فما ينبغي للمسلم أن يُميت دينه باسم الرفق، ولا أن يضعف عن مطالبته بالإصلاح، وهو مأمور أن يأخذ الكتاب بقوّة. ولطالما نادى كثير منهم بما يسمّونه «الحكمة» في التعامل مع مواقف وأشخاص، ويقصدون بها اللين، بينما الحكمة ممارسة تتغيّر بتغيّر الأحوال، لأنّها تعني وضع الشيء في موضعه، وقد قال تعالى: «ومن يُؤتَ الحكمة فقد أُوتي خيراً كثيراً»، وانتقد أبو الطيب نزعة بعض الناس إلى وصف الاستسلام للواقع الخاطىء بالعقلانيّة عندما قال: يرى الجبناءُ أنّ العجزَ عقلٌ/وتلك خديعةُ الطبع اللئيمِ، وقال عن ميلهم إلى إساءة التعامل مع المواقف المختلفة: ووضعُ النّدى في موضع السّيف في العُلا/مضرٌّ كوضع السّيف في موضع النّدى.
عندما يقع الظلم وينتشر (المذابح وحملات القمع مثلاً)، يصبح الصمت جريمة. عمر بن الخطاب انتقد «جلَد الفاجر وعجز الثّقة». داعية الحقوق المدنيّة الأميركي، مارتن لوثر كنغ جونيور، قال ذات مرّة: «في النهاية، لن نتذكّر كلمات أعدائنا، بل سنتذكّر صمت أصدقائنا»، وقال: «سوف يسجّل التاريخ أنّ أكبر مآسي فترة الانتقال الاجتماعي هذه، ليس الجلبة العالية للأشرار، بل الصمت المروّع للأخيار». ليونادرو دافنشي قال: «لا شيء يقوّي السّلْطة كالصمت»، والمثقفة الهندية، أروندهاتي روي، قالت: «يا لتعاسة أمّة تُجبر كتّابها على الصّمت لأنّهم يعبّرون عن أفكارهم».
لكن، مرّة أخرى، قد يُضطرّ المرء إلى الصمت ليوصل رسالة ما. أهمّ ما في الاتصال، أن تستمع إلى ما لا يُقال. في الحديث: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليقل خيراً أو ليصمت». من الغريب أن يكون الصمت وسيلة اتصال سياسي، لكنّ ذلك يحدث. إن لم تستطع قول ما تعتقد أنّه حق، فربّما كان سكوتك عن قول الباطل، أو الانضمام إلى جوقة المهلّلين له، موقفاً يحمل دلالة اتصالية مهمّة. في عالم السياسة، نرى دولاً ومنظّمات تلزم الصمت تجاه قضايا شائكة أو خطيرة، ويُفسَّر هذا بوصفه رسالة ذات مغزى. الصمت بيان كما أشار أبو الطيّب: وفي النّفس حاجاتٌ وفيك فطانةٌ/سكوتي بيانٌ عندها وخطابُ. «الصمت من ذهب»، يقول محمد علي، «عندما تعجز عن التفكير في إجابة جيّدة». صمتي لا يعني توقّفي عن الاتصال، لأنّ الصمت سلوك اتصالي، والاتصال عمليّة حتميّة ولا تنتهي. سأبقى إذن «على اتصال» حتى في لحظات النأي عن الخطابة أو الكتابة. الصمت، كما قالت الممثلة الأميركية مارلي ماتلن، «آخر شيء سوف يسمعه العالم منّي».
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.