السبت 15 ذو الحجة / 17 أغسطس 2019
08:26 م بتوقيت الدوحة

«زخات»

حِكمة شهرزاد

حِكمة شهرزاد
حِكمة شهرزاد
تحملنا حكايات «ألف ليلة وليلة» إلى عالم سحري، حيث لا يوجد «للمستحيل» مستقر، وتعيش في صفحاته وبين سطوره أساطير الشرق، وتراثه الغني بالمعاني الإنسانية والمشاعر الصادقة. فكانت حكاياته كالترياق في مجالس المتسامرين، تسافر بهم على ظهر سجادة علاء الدين السحرية، لتأخذهم من عالم الملل والجهد الأنباري، إلى أزمنة يسكنها السلاطين والجواري، والعفاريت التي تخرج من القماقم لتحقق الأماني.
تجمع (شهرزاد) الملكة الحكيمة ما بين الحكمة السياسية والأدبية، فتصلح ملكاً ومملكة، فبحكمتها السياسية تتوصل إلى نفس الملك شهريار، المطعونة بالغدر والخيانة، والحاقدة على بنات حواء بسبب وزرِ زوجته الأولى، ثم تعالجه بالتواصل الفكري في حكاياتها التي تذكره بعاقبة الغي، وتطلعه على آلام الغير، فيشعر أنه ليس المغدور الوحيد، وأن الدنيا تحمل على أرضها الخير والشر. وبحكمتها الأدبية تجذب سمعه بفن إلقائها وعبقرية استرسالها في الحكاية، ووقوفها عند نقطة تجبره أن يبقي على حياتها ليلة أخرى، شوقاً وفضولاً لسماع بقيتها.
تعلق الغرب بهذا الكتاب إلى درجة أن بعضهم تمنى لو أنه يقرؤه بلغته الأصلية المجهولة، فمنهم من أجرى دراسات عديدة للتعرف على زمن صدوره وحقيقة مؤلفه الذي بقي غامضاً حتى الآن. والكثير منهم ترجم هذا الكتاب إلى لغته، وسعى إلى تعقب أجزائه التي فرقها الزمان وشتتها، ويعتبر المستشرق الفرنسي (أنطوان كالان) أول من ترجم حكايات ألف ليلة وليلة إلى اللغة الفرنسية.
ويقول (جون باين) في مقدمة ترجمته لكتاب (ألف ليلة وليلة) للإنجليزية: «إن الحياة التي تصفها ألف ليلة وليلة هي حياة الناس الذين يتكونون من العرب الشجعان في الطبيعة، الحلماء الكرماء ذوي الرحمة والعطف، والذين لهم إحساس عميق بالحب والشفقة، من الذين لهم ذوق فني رفيع وذوو حساسية للجمال، تجدهم أقدر الناس على تحمل ضربات القدر دون شكوى، حيث لا يزيدون على قولهم إلا: «لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم».
عشق أهل الغرب الصحراء، وكانت في أعينهم كالحديقة الغناء، وكثيراً ما ربطوها بجمال «ألف ليلة وليلة». ففي رسالة (البانديت جواهر لال نهرو) إلى ابنته يقول فيها: «ألا تذكرين بغداد وهارون الرشيد وشهرزاد..» فالجمال هنا يُربط بالتراث الأدبي وسحر قصصه.
اختلف المؤرخون في أصل مرجعية الكتاب إلى (العربية أم الفارسية أم الهندية)، إلا أنني أعتقد أن سر هذا الكتاب يكمن في غموض مؤلفه، وعصر كتابته، وأصل بلاده، وسحره المنقوش في أسلوبه الأدبي وحكمة حكاياته وجمال تراثه وخياله الواسع بالأساطير.
ومن المرجح عند الكثير من الدارسين أن هذه الحكايات مستوحاة من حوادث التاريخ، الذي أُلف في زمانه، وتم حبكها بأسلوب أدبي أسطوري يحمل في طياته علماً وحكمة ودروس حياة يومية، أَقْيمُها درس الأخذ بالأسباب، والاستسلام بعدها لحكم القضاء والقدر، وما تحتويه من أشعار تحمل في بديع كلماتها وقوافيها نصحاً وإصلاحاً، تشوق السامع والقارئ للوصول إلى الليلة الألف.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا

الوطن والشعب

03 أكتوبر 2017

ارحموا عزيزاً ذل

11 سبتمبر 2017

هدية الله

22 أغسطس 2017

الصحة والفراغ

15 أغسطس 2017

لا تحطم أحلامهم

25 يوليه 2017

الأم والحضانة

18 يوليه 2017