الثلاثاء 21 شوال / 25 يونيو 2019
07:06 ص بتوقيت الدوحة

شقائق النعمان

من عجائب دنيا الناس

من عجائب دنيا الناس
من عجائب دنيا الناس
أسوأُ الناس من تحتاج إلى تبرير كل أفعالك وكلامك له، وأسوأ منه الذي يفسره كما يحلو له، ويبني عليه أوهامه، ويصنع بناء عليه قراراته، فيعاديك، أو يصافيك، أو يرفعك، أو يسقطك.. كما يحلو له!
في دنيانا يكذِبُ الذي يقول إنه لا يبحث عن رضا الناس، ففي أعمالنا أي الوظيفة -كما يسمونها عليها خطأً- لا بد من عبادة العباد، لكي تضمن بقاءك في مكانك، فترى التزلف في أبشع صوره، والتقارير التي تتكلف في صنعها ورفعها إليهم لترفعك في دنياك وتخسف بك في آخرتك، المهم أن تبقى مكانك!
في دنيا الناس.. إن ضحكتَ قالوا: خفَّ عقلُه، أين الاحتشام؟ سقطتْ شخصيتُه، وفقد وقاره.
وإنْ بكيتَ، لأنك بشرٌ، تبكي كما يبكي البشر، وقد بكى عظماءُ البشر، قالوا: كئيب! ابتسم يا أخي! لماذا البكاء؟ البكاء للنساء!
وإن ابتسمتَ رغم الجراح، ونكبات السنين، وصفعات الزمن، قالوا: مُراءٍ، يريد مدح الناس!
وإن تراكمت عليك سُحبُ الألم فتغير وجهك، وقطبت جبينك من وطأة الألم، قالوا: الآن ظهر ما كان يخفيه من أخلاق! ألم نقل لكم إنه يتصنع الأخلاق؟!
فإن سئمتَ منهم ولزمتَ الصمتَ قالوا: غلبته الفهاهة، فلا يستطيع الكلام كفصحاء الرجال!
وإن نطقتَ، وتكلمتَ كما يتكلم أبناءُ أبينا آدم، قالوا: مهذارٌ! لا يكفُّ عن الكلام!
فإن كنتَ حليماً على أذاهم، اتهموك.. وقالوا: جبانٌ! لا يستطيع الانتصار لنفسه.
فإن أظهرت شجاعتك، لأنك شجاعٌ رغماً عنهم، قالوا: هذا أرعن طائشٌ!
وفي دُنيا الناس، إنك إذا صرختَ في وجوههم بكلمةِ: لا؛ لأنَّك تعتزُّ بنفسك وعقلك، قالوا: شذَّ عن عادات الناس، يريد التَّفرد.
وإن وافقتهم على آرائهم؛ سآمةً منهم ومن أفعالهم قالوا: هذا إمعةٌ (مع الخيل يا شقرا)!
فمن يستطيع إرضاء الناس؟! فلن ينصفوك أبداً، ولم ينصفوا صديقي القديم الطبيب الدكتور الشاعر محمد بن ظافر الشهري، حينما نسبوا هذه الأبيات العظيمة لغيره!، قال صديقي:

ضحِكْتُ فقالوا: ألا تحتَشِمْ؟!
بكيتُ فقالوا: ألا تبتسمْ؟!
بسِمتُ فقالوا: يرائي بها
عَبسْتُ فقالوا: بدا ما كَتَمْ
صَمَتُّ فقالوا: كليلُ اللسان
نطقتُ فقالوا: كثير الكَلِمْ
حَلُمتُ فقالوا: صنيعُ الجبان
ولو كان مقتدراً لانتَقَمْ
بَسُلتُ فقالوا: لطيشٍ بهِ
وما كان مُجْترِئاً لو حَكمْ
يقولون: شذّ؛ إذا قلتُ: لا
وإمَّعةٌ حين وافَقْتُهُمْ!
فأيقنت أنّيَ مهما أُرِدْ
رِضا الناس لا بدّ مِنْ أنْ أُذَمّ!
كان الدكتور محمد منصفاً وواقعياً، أكثر من أبي الطيب، الذي امتلأ قلبه غيظاً على أهل زمانه، وليس لهم عنده إلا القتل لو قدر عليهم؛ لأنهم لو قدروا عليه لن يرحموه!:

ومَنْ عَرَفَ الأيّامَ مَعرِفتي بها
وبالنّاسِ رَوّى رُمحَهُ غيرَ راحِمِ
فَلَيسَ بمَرْحُومٍ إذا ظَفِروا بهِ
ولا في الرّدى الجاري عَلَيهم بآثِمِ
فهو يقول: إن كان قد جربهم رجلٌ لبيبٌ قبل أبي الطيب فهو إنما ذاقَهُم ليس أكثر، أما أبو الطيب فإنه لم يذقْهُم فحسب بل أَكَلَهمْ!، وعرف أسرارهم وما يخفون، فوجدهم مخادعين في ودادهم، منافقين في دينهم!:

إذا ما النّاسُ جَرّبَهُمْ لَبِيبٌ
فإنّي قَدْ أكَلْتُهُمُ وَذاقَا
فَلَمْ أرَ وُدّهُمْ إلاّ خِداعاً
وَلم أرَ دينَهُمْ إلاّ نِفَاقَا

نراكم على خير!
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا

ألفُ نابٍ!

31 مايو 2017

ماذا تعني؟!

24 مايو 2017

نفحاتٌ أندلسية

10 مايو 2017

سيوف الألحاظ

03 مايو 2017

فلسفة الجود

19 أبريل 2017