الأحد 15 شعبان / 21 أبريل 2019
05:30 م بتوقيت الدوحة

شقائق النعمان

فلسفة الجود

فلسفة الجود
فلسفة الجود
قال أبو الطيب:
لولا المشقةُ سادَ الناسُ كُلهم** الجودُ يُفقِرُ والإقدامُ قَتَّالُ!
ما من أحدٍ إلا وتتوق نفسُه للسيادة، لكن الوصول إليها شاقٌ، لا تصبر عليه إلا نفوسُ الكبار، وليس صغار النفوس!
وليس على النفوس شيءٌ أشقّ من بذل المال، فلذا يختبئُ البخلاءُ خلفَ ستارٍ من دناءة النفس أَوْهَى من بيت العنكبوت، فليستْ نفوسُهم كريمةً ولا تقدر على الكرم، فإذا أرادوا التشبه بالأجواد جذبتهم تلك النفوس إلى الخوف من الفقر، وعَدِّ الريالات ريالاً ريالاً، خوفاً من ظلمات المستقبل.
مسكينٌ هو! يشفق عليه كرماءُ الرجال، لأنه معذبٌ داخلَ جِلْدِه، ونفسُه تقعقعُ بين جنبيه، فلا تأمره إلاّ بالبخل واختلاق الأعذار، كي يهرب من مواجهة الرجال، ولا يغار من جود الأجواد، الذين تسمو نفوسُهم وتتعالى على كلِّ صغير، وترفع رايات الجود بكل فرحٍ وابتهاج، وتجدُ فيه لذَّتَها التي لا تعدِلُها لذةً.
يا أبا الطيب! كم في زماننا من صغارٍ يخشون الجود كخشيتهم الموت أو أشد خشية! ما نصيحتك لهم؟ على فرضِ أنك ستنظر إليهم بعين الرحمة والإشفاق، لا الاحتقار، وإن كانوا أهلَه وأحقَّ به! قال:
لا خَيْلَ عِندَكَ تُهْديْهَا وَلا مالُ ** فَليُسْعِدِ النُّطْقُ إنْ لم تُسعِدِ الحالُ!
نعم! يا أيها البخلاء الجبناء! إن لم تجودوا بأموالكم ولن تفعلوا، فلا أقلَّ من أن تُحسنوا بألسنتكم يا معشر البخلاء!
في عُرف الكرماء أنّ البشاشة في وجه الضيف هي أعظمُ ضيافةٍ، فكانوا يضاحكون أضيافهم قبل أن يُنزلوا رحالهم من على ظهور الإبل، ويجدُ ضيفُهم عندهم الخِصبَ كله، وإن كانوا فقراء، وكانت فلسفتهم تقوم على أن الجود والكرم ليس بكثرة الإطعام، ولكن بوجهٍ مُشرقٍ ضاحكٍ في وجوه الأضياف، وقد ترجم هذا كلُّه كريمُ العرب حاتِم الطائي، فله أبياتٌ تُكتبُ بالذهب:
أُضاحِكُ ضَيفي قَبلَ إِنزالِ رَحله **وَيُخصِبُ عِندِي وَالزَمانُ جَديبُ
وَما الخِصبُ لِلأَضيافِ أَن تُكثِرَ القِرَى**وَلَكِنَّما وَجهُ الكَريمِ خَصيبُ!
الجودُ اليوم عند الناس أصبح بالمقلوب، حتى عند بعض دولنا العربية الكريمة، فيبدأ الإنفاقُ الباذخُ على (أقدام) اللاعبين، ثم يرتفع قليلاً حتى يصل إلى (أوساط) الراقصات! فكلما زاد اهتزازُها تناثرت عليها الدراهم والدنانير! ثم يرتفع قليلاً حتى يصل إلى (حناجر) المغنين والمغنيات، فيأتيهم الجودُ ترفرفُ به أجْنِحةُ (الشيكات)، ثم يرتفع إلى أقصى (أدمغة) العلماء والأساتذة، الذين لا ينالُهم من هذا الجود إلاّ الفُتات! وأعتذِرُ لأبي الطيب، وحاتم الطائي، فلا أستطيع أن أُترجِمَ لهما كلمةَ (الشيكات)!
إنّ أجود الناس من جاد بماله صوناً لوجهٍ كريمٍ مرَّغَتْه الأيامُ في وَحْلِ الديون، أو نوائب الدهر، وصوناً لنفسه هو عن اللؤماء، وما أحسن ما قال قائلُ هذه الأبيات:
سأبذلُ مالي كُلَّما جاء طالبٌ ** وأجعلُه وقفاً على القَرضِ والفَرضِ!
فإمَّا كريماً صُنْتُ بالجُودِ عِرضَه**وإمَّا لئيماً صُنْتُ عن لؤمِه عِرضي!
وأجودُ الأجواد من يتنبه بذكائه إلى حاجةِ كريمٍ كَسَرَه الدهرُ، فيقرأُ في وجهه ما وراء تلك الانكسارة، فَيَهتمُّ لها حتى يجبُرَ كسرَ، ويأخذَ بيده، فكأنه قذًى في عيني هذا الجواد، حتى تزول عن صاحبه نكباتُ الزمان:
رأى خَلَّتي من حَيْثُ يخفى مَكَانُهَا ** فَكَانَت قذى عَيْنَيْهِ حَتَّى تجلَّتِ!
مع السلامة!
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا

ألفُ نابٍ!

31 مايو 2017

ماذا تعني؟!

24 مايو 2017

نفحاتٌ أندلسية

10 مايو 2017

سيوف الألحاظ

03 مايو 2017

من عجائب دنيا الناس

26 أبريل 2017