الثلاثاء 16 رمضان / 21 مايو 2019
09:52 ص بتوقيت الدوحة

هجرووهُ ؟؟ فعُوقِبوا بـ: «سأصْرِفُ عن آياتي...»

هجرووهُ ؟؟ فعُوقِبوا بـ: «سأصْرِفُ عن آياتي...»
هجرووهُ ؟؟ فعُوقِبوا بـ: «سأصْرِفُ عن آياتي...»
روي عن نبيّنا عليه الصلاة والسلام أنه قال: «من أعطاهُ الله القرآن فرأى أنّ رجُلاً أُعْطِي أفضَلَ ممّا أُعطي، فقد صغّرَ عظيماً وعظّمَ صغيراً». وعن عثمان قال: «لو صَفتْ قلوبُكُم ما شبِعَتْ من كلامِ ربِّكُم».
ليس الغريبُ في الحياة الذي فارقَ الدّيارَ وودّع الأهل.. إنّما الغريبُ الذي يجِدُّ والناسُ من حولِهِ يلعبون، ويسهَرُ والنَّاسُ مِن حولِهِ يَنامون، ويسلُك دروبَ الخير والنّاسُ في ضلالِهِم يتخبّطون.
كلماتٌ لِطاف.. سمعناها ونحنُ في ميعة الشباب وَوَعيناها عندما كنّا نتطلّعُ لأمّتنا ولم تبرحْ قلوبَنا تلك الآمال في غدٍ أفضل، تتلاشى مع إشراقات فجرهِ المُبين قطعٌ من ظلمات ليلٍ حالكٍ، طالت علينا فيه آثار وحشة الجهل والهُجران عند أحبابنا وأصحابنا لكتاب اللهِ، وامتدّت في أبعاد وزوايا تلك الليالي الحالِكات ظلالُ شعورِ الغُربة في نفوسٍ تقبِضُ على دينِها كالقابض على الجمر، لتُلهبَ حرارتها، وتُحرقَ صدورَ قومٍ آمنوا بالله وصدّقوا المُرسلين.
لماذا القرآن؟؟
إن الضمائر والأرواح عندما تتذوّقُ حلاوة كتاب الله «وإنّ فيهِ لَحَلاوة»، وعندما تتفيّأُ ظلالَهُ «بحُسن فهمه وتدبّرِهِ»، لتصل إلى مراد الله، ولتستبين هدايات الوحي بطول مُلازمة الذِكرِ الحكيم، لا بُدّ أن تستريح لهُ وتستيقن أنهُ منهاج الحياة الأكمل، ومصدر السعادة والطمأنينة الأوحد، لا يستقيمُ للنّاس من دونِهِ سبيل، ولا تتحقّقُ غاية، ولا تُرفعُ لهم في ميادين السلام والمحبّة راية.
«وإنهُ في أمّ الكتاب لدينا لعلي حكيم»..
إنّ أهلَ القرآن وأصحابَ النفوس الصافية، وهي تعيش وسط رحاب الوحي وتتعايش مع جمال بيانِهِ الأخّاذ الساحر للألباب، وعند ملامسة روعة آيات الله حينما يفتح اللهُ عليهم بفهم آية من التنزيل الحكيم فتتَجلّى لهم بعض أسرارِهِ ولطائفهِ، ليحزنهم أن لا تَصلَ تلك النفحات لغيرهم ليَدخُلوا جنّة ربِّهم في أرضِهِ، ويَعِزُّ عليهم أن لا تعتصم «النفوس الحيارى» بحبل الله المتين وصراطه المستقيم، وقد اضطرَبَت في زماننا على النّاس الأمور، واختلَطت المفاهيم، وانتَكَسَت الفِطَر من شدّة البغي والإفسادِ في الأرض ومن ظلم النّاس لأنفسِهِم.
وما كان ذلك ليكون إلا من تطاول أمد الغفلة على النّاس، فقسَتْ قلوبُ المُعرِضين عن ذكر الله.
«فويلٌ للقاسية قُلوبُهُم من ذكرِ الله».. «كلا.. بلْ رانَ على قلوبِهِمْ مَا كانوا يَكْسِبون».
إذاً.. هوَ الكسبُ أولاً.. «داءُ الأدواء.. وأصلُ العلل».. قال عليه الصلاة والسلام: «كُلُّ جسمٍ نبتَ من سُحتٍ فالنّارُ أولى به».
فأنّى للأجساد المُعجونة بالسُحت أن تكونَ محلاً خِصباً لتَسْكُنها قلوبٌ سليمة تعي عن الله العزيز الحكيم فتَتبع أحسنَ ما أُنزِلَ إليها من ربّها، أو تهتدي بوحي خاتم المرسلين؟!
ولأجل ذلك كلّهِ، ولأنّ كتابَ الله وفَهْمَ آياته وتدبُّر كلام ربّنا فيه، هو البضاعة العزيزة الأغلى عند الله، وهو المكانة الأرفع لأولياء اللهِ وخاصَّتِهِ من خلقهِ، ثمّ لأسبابٍ وعوامِل بيّنتها آياتُ الرحمن في القرآن، نجدُ أنّ أكثر الناس -نسأل الله العافية- قد صَرَفهُم الله تعالى عن فهم كتابِه ومعرفة آياتِهِ وتدبُّر بيّناته (عقوبة لهم وجزاءً وِفاقاً) على تلَبُّسِهم بصفاتٍ مذمومة، بيّنها الله تعالى في الكتاب، جعَلتْ أجهزة الاستقبال في نفوس المعرضين الغافلين عن ذكر الله تتعطّلُ فيها مَلَكاتُ الاستعدادِ والصفاءِ، فامتنعت عن أن تعقِل عن الله من كلمات وحيه ما فيه تزكية لها وحياة.
قال تعالى في سورة الأعراف: «سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ».
وعن الآية وعن دلالاتها وإشاراتِها يتطلّبُ الحديث مقاماً أوسع.. سيكونُ محورَ كلامِنا في «عودة القلم» الأسبوع المقبل بمشيئة الله..

فلنا فيه لقاء والسلام..
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.