الخميس 20 ذو الحجة / 22 أغسطس 2019
09:54 م بتوقيت الدوحة

ذاكرة أوروبا توقظ أحقادها

ذاكرة أوروبا توقظ أحقادها
ذاكرة أوروبا توقظ أحقادها
لا يتوقف الأمر على منع طائرة وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو من الهبوط في الأراضي الهولندية، ولا طرد وزيرة الأسرة التركية بشكل مهين من هولندا، بل يتعداه إلى قرون مضت، حيث تم إخراج تركيا من معادلة الصراع على أوروبا، ولتصل لها رسالة تبتدئ من هولندا، وتمتد عبر الاتحاد الأوروبي كله، أن لا مجال لتركيا أوروبية، وأنها سوف تقتنع بتاريخها المشرقي وديانتها الإسلامية والمرفوضة أوروبياً، رغم ادعاءات العولمة والانفتاح والتعددية الثقافية، فالأمر سيان سواء كان يمينياً، يسارياً، ليبرالياً أم خضراً، فجميعهم يمارسون التقية السياسية والأخلاقية برفضهم أن تكون أوروبا متعددة، إنها نادٍ واحد ويجب أن تبقى كذلك، للحد الذي رفضت فيه كل منظومة أفكارها حينما وقفت بوجه أناس ألقت بهم قنابل الموت والرعب على تخوم أوروبا، فقذفوا بهم بعيداً خوفاً على ما ادعوا أنه هوية أو كيان ثقافي موحد، كل ذلك جاء تحت عنوان "خوفاً من الإرهاب".
أما تركيا، فالأمر يتجاوز تماماً حدود الاستفتاء وحشد الأصوات، وبث فكرة رئاسية الجمهورية، يتعداه لإيصال رسالة أكثر عمقاً لكل المنظومة الأوروبية، أننا موجودون في ثناياكم ككيان أخلاقي وثقافي قابل أن يتحول إلى سياسي، وأن هذه ليست سوى إحدى الأوراق التركية القابلة للاستخدام الفوري والتفعيل، وأن في جعبة الحاوي حبالاً كثيرة، يمكن أن تتحول إلى أفاعٍ تقضّ مضاجع أوروبا، إن هم استمروا في تجاهلها وتهميش دورها.
يأتي السؤال الكبير، إلى أي مدى يمكن أن تتدحرج هذه التداعيات الخطيرة بين تركيا وأوروبا، هل ستساهم في إطلاق العنان لليمين المتطرف كي يرسم السياسة الأوروبية في القادم من الأيام، والجميع يعلم أية إفرازات عنصرية تجاه الشعوب الأخرى يمكن أن يؤدي إليها فوز هذا اليمين، وهل ستتوقف تركيا عن محاولتها أن تكون جزءاً من الغرب؟ وتحرف بوصلتها بشكل حقيقي تجاه الشرق، حيث ملاذها الآمن وحصنها الاستراتيجي، وأي دور يمكن أن تلعبه فيما لو غيرت من رغبتها وطبيعة تحالفاتها، علماً بأنه دون ذلك عقبات ليس أقلها وجود تركيا عضواً في حلف شمال الأطلسي، وللإجابة على هذه التساؤلات، وتساؤلات أخرى تتعلق بمستقبل المنطقة كلها، والتي لا تزال رهينة المستقبل الذي ربما يجيب على بعضٍ منها، ويعلق كثيراً منها عند الإجابة، إلى ذلك الحين لا تبدو أوروبا صادقة مع نفسها ومع قيمها، ومع كمٍّ هائل من المفكرين الذي نشروا عبر قرون من الزمن مفاهيم من الديمقراطية والحرية والتعايش، اعتقدناها راسخة في قناعاتهم، ولكنها مجرد ذرِّ كلام.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.