الخميس 16 شوال / 20 يونيو 2019
04:29 ص بتوقيت الدوحة

شقائق النعمان

بكاؤهم!

بكاؤهم!
بكاؤهم!
لماذا اتخذ الشعراء العشاق، أو عشاق الشعراء البكاء سلوة لهم؟! فلا تكاد تخلو قصيدة لشاعرٍ إلا وتجد بلل الدموع يغطي الكلمات!
أظنهم يجدون راحة في البكاء، ويظنون أنهم بذلك يستعطفون المحبوب، الذي قسا قلبه حتى كان كالحجارة أو أشد قسوة، وإن من الحجارة ما هو ألين من بعض القلوب!.
حتى أبو الطيب يبكي! هل تعجبون من هذا؟! يقف على أطلال الذكريات فيبكيها وتبكي معه الإبل، وأصحابه، لكنه بكى قبلهم، استجابة للأطلال:
أجابَ دَمعي وما الدّاعي سوَى طَلَلِ**دَعَا فَلَبّاهُ قَبلَ الرَّكبِ وَالإبِلِ!!
ويستمر بكاؤه ونشيجه، ويفشل في كفكفة دمعه، وظلَّ دمعه كالمطر يتقافزُ من عينيه، وظلَّ أصحابُه بعضُهم يعذرُه، وبعضُهم يعذلُه، وهو.. هو لا يلتفت إليهم، بل يلتفت بقلبه إلى ذكرياته.. تلك الذكريات التي استجلبت دموعه:
ظَلِلْتُ بَينَ أُصَيْحابي أُكَفْكِفُهُ**وَظَلّ يَسفَحُ بَينَ العُذْرِ وَالعَذَلِ
يشكو البعد، والهجر، وهم يتعجبون منه ومن عبرته، وهو يتعجب من تعجبهم:
أشكُو النّوَى ولهُمْ من عَبرَتي عجبٌ**
كذاكَ كنتُ وما أشكو سِوَى الكِلَلِ!
لماذا كل هذا البكاء يا أبا الطيب؟ قال: لأني أشتاق ولا أملَ للقائهم، أيستوي هذا مع من يشتاق ويأمل؟! قلت: لا، فقال:
وَمَا صَبابَة مُشْتاقٍ على أمَلٍ**
مِنَ اللّقَاءِ كمُشْتَاقٍ بلا أمَلِ!
وما زلت تتألم يا أبا الطيب؟ قال: الغريق لا يخاف من البلل!:
وَالهَجْرُ أقْتَلُ لي مِمّا أُراقِبُهُ**
أنَا الغَريقُ فَما خَوْفي منَ البَلَلِ!
أما غيرُ أبي الطيب.. فهذا أغزلُ شُعراء العَرب، فيلتذُّ بالبُكاء، فكأنَّ الذي يقرأ يسمعُ نشيجَه ونشيجَها، وجدها ساعة التلاقي مخضبة الأنامل، فتعجب! فبدأ بالعتاب:
ولما تلاقينا وجدتُ بنانها **
مخضبة تَحكي عُصارة عَندمِ
فقلتُ: خضبتِ الكفَّ بعدي؟!، أهكذا**
يكون جزاءُ المستهامِ المتيم
فبكت، واعتذرت بحرقة:
فقالتْ وأبدتْ في الحشى حرقَ الجوى**
مقالة من في القول لم يتبرمِ
لا تظلم، فإني لستُ ممن تتزين للفراق:
وعيشِكَ ما هذا خِضاباً عرفتهُ**
فلا تكُ بالبهتانِ والزور ظالمي!
وأنت كنت لي كل شيء:
ولكنني لما رأيتك راحلاً**
وقد كنتُ لي كفي في الحياة ومعصمي!
فبكيتُ لفراقك فمسحت عيني بأطراف أظافري فأصبحت حمراء من لون دمي!!:
بكيتُ دماً يوم النوى فمسحتهُ**
بكفي فاحمرَّتْ بناني من دمي!
فتمنى هو أنْ لو بكى قبلها، لكن تجنب الندم:
ولو قبل مبكاها بكيت صبابة**
لكنتُ شفيتُ النَّفسَ قبل التَّندمِ
فبكى لبكائها، والفضل في الحالين لها!:
ولكن بكتْ قبلي فهيج لي البكا **
بكاها فقلتُ الفضلُ للمتقدمِ
بكى عليها، فليس يشبهها أحدٌ في العرب والعجم:
بكيتُ على مَن زيَّن الْحُسْنُ وجهَهَا**
وليس لها مِثْلٌ بِعُرْبٍ وأَعجمي!
هذا حالُ أغزلِ العرب.
لا شيء أعظم وأقسى من دموع الرجال في منتصف الليل الأسود، وما أجمل ما قاله الأمير العربي الأصيل الأسير أبو فراس الحمداني:
إذا الليلُ أضواني بسطتُ يدَ الهوى**
وأذللتُ دمعاً منْ خلائقهُ الكبرُ!
بعد أن كان: (عَصِي الدّمعِ شِيمَتُه الصّبرُ!!).
سُئِل ابنُ النحاس مرة عن حال المحبين فقال:
لا تسلْ عنْ حَالِ أرباب الهوى **
يا ابنَ ودي ما لهذا الحال شَرحُ!
إنما حَالُ المحبين البُكاء**
أي فضلٍ لسحابٍ لا يَسِحُّ؟!
إلى لقاء قريب.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا

ألفُ نابٍ!

31 مايو 2017

ماذا تعني؟!

24 مايو 2017

نفحاتٌ أندلسية

10 مايو 2017

سيوف الألحاظ

03 مايو 2017

من عجائب دنيا الناس

26 أبريل 2017