الثلاثاء 14 شوال / 18 يونيو 2019
04:29 م بتوقيت الدوحة

شقائق النعمان

بنات الدهر!

بنات الدهر!
بنات الدهر!
أبِنْتَ الدّهْرِ عِندي كُلُّ بِنْتٍ
فكَيفَ وَصَلْتِ أنتِ منَ الزّحامِ؟!
تسابق البناتُ؛ بناتُ الدهر على خِطبة ودِّ أبي الطيب، ولديه كل بنت، لكنها هي الوحيدة التي زاحمتْهُنَّ بمنكبها ووصلت إليه، فتعجب منها، ومن جرأتها عليه، وتحديه لهنَّ.
ويبدو أن هؤلاء البنات يعشقَن الشُّعراء عشقاً عجيباً، فلا تكاد تسمع بشاعرٍ إلا وله صلة بهنَّ؛ رغم بُغضِ الشُّعراء لهنَّ بُغضاً عجيباً أيضاً، وهل في البشر الأسوياء من يُبغض البنات؟!.
هؤلاء البناتُ شقيّات!، يعشقن المشاكسة، ويغازلن من يردنه بوقاحة سافرة، فيرمينه بغير نبالٍ ولا سهامٍ، أليست هذه وقاحة؟ ويحرصن على التخفي، فلا يظهر إلا آثارُ شِقوتهن وشقاوتهن، وغزلهن الذي لا مرحباً به:
رَمَتْنِي بَنَاتُ الدَّهْرِ مِنْ حَيْثُ لا أَرَى
فَكَيْفَ بِمَنْ يُرْمَى وَلَيْسَ بِرَامِ؟!
فَلَوْ أَنَّهَا نبْلٌ إِذنْ لاتَّقَيْتُهَا
وَلَكِنَّنِي أُرْمَى بِغَيْرِ سِهَامِ
أهي أطباعٌ متأصلة؟ يجدن لذة في تعذيب العباد، وإذلالهم وإهانتهم والحط من قدرهم، أم أنهم يظلمونهنَّ، كظلم امرأة العزيز ليوسف، وهُنَّ بريئاتٌ براءة الذِّئب من دم يوسف بن يعقوب؟!.
إن كُنَّ بريئات فلِمَ إذن يشكو منهن الشاعر (الممزق العبدي) البحريني القديم؟!:
هَل لِلفَتى مِن بَناتِ الدَّهرِ مِن واقِ
أَم هَل لَهُ مِن حِمَامِ المَوتِ مِن رَاقِ؟!

سامحك الله أيها الممزق؟! تريد أن تتقيهنَّ يا رجلُ؟! أعد النظر يا ممزق!
لكن صاحبك الآخر (النابغة الشيباني) كان ألعوبة بأيدي هؤلاء البنات، رغم عقله الراجح، ورفعة شأنه في قومه، ما الأمر يا قوم؟! أيهزمنَّكم ويلعبن بكم؟!:
تَعَاوَرَهُ بناتُ الدَّهرِ حَتَّى
تُثَلِّمَهُ كما ثُلِمَ الإناءُ
لِمَ لَمْ تكونوا مثل أبي الطيب الذي عنده كلُّ بنتٍ!، ولا يأبه ببنات الدهر، لكبريائه، بل همتُّه تقف بالمرصاد في وجوههن، ولا يخضع للآمال، لأنه فوق أن يخضع لها!
لَيسَ التّعَلّلُ بالآمَالِ مِن أرَبي
وَلا القَناعَة بالإقْلالِ من شِيَمي
وَلا أظُنّ بَناتِ الدّهْرِ تَتْرُكُني
حتى تَسُدَّ علَيها طُرْقَها هِمَمي!!
فَهِمْنا يا أبا الطيب! بناتُ الدهر إذن هي المصائب!، لستُ أعلم ما وجه الشَّبه بينهن وبين البنات؟! ولماذا سماهن العربُ وشعراؤهم بناتِ الدهر؟! قبحهم الله! ألأنَّ البنات فيهنَّ شيءٌ من النكد؟! لا لا.. لستُ أرى ما يرى هؤلاء العرب هداهم الله فقد ظلموا المصائب!.
لكن بنات الدهر لم تترك قلباً سليماً من جراح، ولا رأساً إلا ملأته بالشيب، ولا عيناً إلا أجرتْ ماءها على الخدين.
لَقَدْ حَكَمَتْ فينا اللّيالي بجَوْرِها
وَحُكمُ بَناتِ الدّهرِ لَيسَ لَهُ قَصْدُ!
أهُنّ مثل طبع (بعض) بنات حواء، إذا نُزعت الرحمة من قلوبهن كُنَّ أقسى من أخواتهن بنات الدهر؟!.
ما أقسى أن تجتمع عليك نوائب الدهر، وتلجأ إلى الدنيا وأنت في الرمق الأخير، تكاد تموت من العطش، ترفع يديك تستقيها فإذا بها تمطرك ببنات الدهر، بالمصائب!:
أظْمَتْني الدّنْيا فَلَمّا جِئْتُهَا
مُسْتَسْقِياً مَطَرَتْ عليّ مَصائِبَا!!
وقد تجود هذه الدنيا فلا تكتفي بمصائب وزنها خفيف، حتى تكون كالجبال، وارحمتاه للقلوب:
مَصائِبُ شَتّى جُمِّعَت في مُصيبَةٍ
وَلَم يَكفِها حَتّى قَفَتها مَصائِبُ!
ويل من يصاحبها:
صحبتُ بناتِ الدهرِ حتى أَرَيْنَني
عجائبَ شتى ليس يَحصُرها العَدُّ
فنعمتُها بؤسٌ، وفَرْحَتُها أسًى
وصِحتُها سقمٌ وإعطاؤها ردُّ
تَوالتني الأرزاءُ حتى كأنما
فؤادي لكَفَّي كلِّ لاطمة خدُّ!!.
يكفي!!
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا

ألفُ نابٍ!

31 مايو 2017

ماذا تعني؟!

24 مايو 2017

نفحاتٌ أندلسية

10 مايو 2017

سيوف الألحاظ

03 مايو 2017

من عجائب دنيا الناس

26 أبريل 2017