الإثنين 16 شعبان / 22 أبريل 2019
07:25 م بتوقيت الدوحة

الأمير تميم: خطاب العقل في مواجهة الذين لا يعقلون

الأمير تميم: خطاب العقل في مواجهة الذين لا يعقلون
الأمير تميم: خطاب العقل في مواجهة الذين لا يعقلون
تسعى الخطابة السياسية عادةً إلى توحيد المواقف، وردم الفجوات، والتركيز على القواسم المشتركة. هذا هو لبّ الخطابة وفلسفتها عبر التاريخ: الدعوة إلى «التعاون»، وإحياء الروح الجماعيّة، وتغليب المصلحة العامة على الخلافات البينيّة. لكنّ ذلك لا يعني أن تغضّ الخطابة الطرف عن الأخطاء الكبيرة التي تتناسل فتصبح خطايا، ولا يعني «تجميد» استقصاء الأزمات التي ترمي بشرَر كالقصر، وتهدّد بحرق الأخضرواليابس، فربّما قادت المقاربات الخاطئة إلى رزايا، وقديماً قال البحتري:
إذا ما الجرحُ رُمَّ على فسادٍ
تبيّن فيه تفريطُ الطبيبِ
رزيّةُ هالكٍ جلبتْ رزايا
وخطبٌ بات يكشفُ عن خطوبِ
وبقدر ما تشتمل الخطابة السياسية على الغموض والتورية والتغافل والتعريض والاستعارة، فهي تلجأ أحياناً إلى «نبش» القضايا، و «التنقيب» ما بين السطور، ووضع اليد على الجرح. الخطابة معنيّة أيضاً بنشر المعلومات وتفسير الأحداث وربطها واستخلاص النتائج منها. ليس الخطاب المزدوج/الملتبس هو ما تحتاج إليه الجماهير، لاسيّما في أوقات الأزمات والمحن. في لحظة من اللحظات، تكون الجماهير في حاجة إلى من يتناول قضاياها على نحو مؤلم يشحذ وعيها، وينسجم مع قيمها، ويحرّضها على مواجهة «الواقع الراهن». الخطابة فن من فنون القيادة، والجماهير عادةً تنظر إلى الخطباء، لاسيما الساسة منهم، بوصفهم قادة، ومن خصائص القادة التعبير بشجاعة عندما يكون السياق ضاغطاً وملحّاً.
في مؤتمر «القمّة» العربية الذي انعقد الأربعاء الماضي على شاطىء البحر الميّت، كان الزعماء العرب على موعد مع خطاب للحياة. ألقى الشيخ تميم بن حمد، أمير قطر، كلمة جاء فيها: «إنّ خطورة المرحلة التي يمرّ بها وطننا العربي...والعوائق أمام تحقيق تطلّعات شعوبنا في التنمية والأمن والاستقرار تتطلّب منّا الكثير من الواقعيّة والصراحة والوعي...» مضيفاً أنّ المشكلة لا تكمن دائماً في الاختلاف السياسي، بقدر ما تكمن في «إدارته»، و»إسقاطه» على كل أوجه التعاون بين الدول. وشدّد الشيخ على قدرة الزعماء على رأب الصّدع، «فلا توجد خلافات تستعصي على الحل بين الأشقّاء»، وإن وُجدت، فلا يجوز أن تلقي بظلالها على استمرار «التعاون» في القضايا التي تهم «مواطنينا ومجتمعاتنا».
تناول أمير قطر قضايا ساخنة عدّة، لكنّ القضيّة التي حظيت بالاهتمام الأكبر هي حديثه عن «الإرهاب». دعا الأمير إلى مقاربة «مشتركة وشاملة» تجاه «الإرهاب»، لكنّه أبدى اعتراضه على تسمية الحركات والتيّارات السياسيّة «التي نختلف معها إرهابيّة، على الرغم من أنّها ليست كذلك». ثمّة نقطة بلاغيّة لافتة هنا، وهي التعبير بطريقة «نحن» لا «أنتم» في الفعل «نختلف»--تكتيك إقناعي يتضمّن «التماهي» مع الجمهور/القادة، بالرغم من أنّ الخطيب/الأمير لا يقصد نفسه أو حكومته تحديداً بهذا الخطاب. «هل هدفنا أن نزيد عدد الإرهابيّين في هذا العالم»؟ يتساءل الأمير بصيغة بلاغيّة (لا يُقصد منها تلقّي إجابة)، بل تهدف فقط إلى شحذ الذهن للتفكير. إنّ تجريم تيّارات شعبيّة عريضة، بسبب خلاف سياسي معها، يهدّد السلم والاستقرار، بينما يؤدّي استيعابها إلى إشاعة الأمل، وترسيخ العدالة الاجتماعية. يجب ألا تكون تصنيفات مثل «الإرهاب» و «التطرّف» إيديولوجيّة نابعة من مواقف سياسيّة، بل يجب أن تكون «وصفيّة» مبنيّة على حقائق لا عواطف. المكافحة الناجعة لما يُسمّى «الإرهاب» تحتّم عدم خلط الحابل بالنابل، والكفّ عن وصم أبرياء لا يعجبوننا بأنّهم «إرهابيّون»، لأنّ هذه الممارسة، فضلاً عن أنّها ظالمة، ستجعل الإرهاب يتناسل ولا ينتهي.
أراد الأمير تميم إيصال نقطة مؤدّاها أن أبشع ما ابتُليت به مجتمعاتنا العربيّة هو هذا الخلط المقصود في تعريف الإرهاب واستعمالاته، يحيث يصبح سلاحاً سياسيّاً يمكّن السّلطة الحاكمة من الفتك بخصومها. «مكافحة الإرهاب»، يؤكّد أمير قطر، «أخطر من أن نُخضعها للخلافات والمصالح السياسيّة والشدّ والجذب بين الأنظمة». لكن لماذا الإرهاب؟ إنّه، بحسب الأمير، ثمرة طبيعية لغياب «التعليم والمشاركة في ثمار التنمية، والمساواة أمام القانون»؛ ثمرة تنمو في ظل «الاغتراب عن المجتمع وقيَمه، والحرمان واليأس وانعدام الأفق، وإذلال النّاس في المعتقلات والسّجون... وتفشّي سياسات الإقصاء والتهميش».
كلمة أمير قطر لم تعجب الكائنات الانقلابية، فطفقت تنال منها، وتشكّك في دوافعها، سواءٌ في وسائط الدعاية في مصر، أو في بعض الوسائط الخليجية كجريدة الحياة التي هاجم فيها كاتب سعودي الشيخ تميم، وساوى خطابه بخطابات الدكتاتور معمّر القذافي. لكنّ الخطاب يبقى «صوت العقل» في مواجهة الذين لا يعقلون.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.