الثلاثاء 20 ذو القعدة / 23 يوليه 2019
04:16 م بتوقيت الدوحة

شقائق النعمان

الثقلاء!

الثقلاء!
الثقلاء!
عاتبني عزيز عليّ فقال: مقالاتك الأخيرة قد غلبت عليها الكآبة! قلت: صدقت، وهذا واحدٌ منها!.
أعظم المصائب أن تُبتلى بثقيلٍ ينغِّص عليك حياتك، وكثيرٌ منهم يجهلُ أنه ثقيلُ دمٍ، تمرض القلوب إذا رأته، ويأتيها الموتُ من كل مكان، فإذا كان هذا الثقيل يجمع بين الغباء وثقل الدم، فهذا ميؤوس منه، قال صاحبي أبو الطيب شارحاً هذا الحال:
وَمن البَليّةِ عَذْلُ مَن لا يَرْعَوي
عَن جَهِلِهِ وَخِطابُ مَن لا يَفهَمُ!
الثقيل يسأل عن تفاصيل حياتك أشد من أسئلة ضباط التحقيق في الجهات الأمنية، ويريد أن يعرف عنك ما لا تعرفه أنت عن نفسك، فإذا ما فشل في ذلك لجأ إلى أقربائك يسألهم عن أحوالك!.
الثقيل عالِمٌ بالسياسة! فتراه في المجلس يُحلل ويُنظِّر، ويُبدي الرأي، ويغضب على من لا ينصاع لرأيه..
وهو أيضاً عالِمٌ بالدين! وما أكثر الثقلاء من هذا الصنف، فهو يملك حق تصنيف الناس، فهذا عنده كافر، وذاك فاسق، وآخر مبتدع، ورابع ضد ولي الأمر!، وإذا لم يجد تصنيفاً يليق بالخصم قال: هذا فيه نظر!.
وهو أيضاً بارعٌ في الاقتصاد، كأن البنوك كلها تحت أمره، وكأن (بورصات) العالم تنتظر تحليلاته وآراءه..
المهم أنه يخوض في كل بحر، ويبرك بجسده الثقيل على صدور الذين في المجلس، وهم يتململون ضجراً ومللاً، ويجاملونه فيظن هذا الغبي أنهم صادقون، فيستمر في تعذيبهم حتى تبلغ أرواحهم الحناجر!.
سافر ثقيلٌ من الثقلاء مع قومٍ في سفينة، ثم قدر الله تعالى أن يسقط من السفينة في البحر، فحزن أصحابه وترحموا عليه، لكنهم فوجئوا بموجة تأتي به عند الصباح سالماً معافى!
سَقَطَ (الثقيل) مِنَ السَفينَةِ في الدُجى
فَبَكى الرِفاقُ لِفَقدِهِ وَتَرَحَّموا
حَتّى إِذا طَلَعَ النَهارُ أَتَت بِهِ نَحو
السَفينَةِ مَوجَةٌ تَتَقَدَمُ
قالَت خُذوهُ كَما أَتاني سالِما
لَم أَبتَلِعهُ لِأَنَّهُ لا يُهضَمُ!
الغريب أنَّ أحمد شوقي قال: سقط (الحمار) بدل الثقيل في هذه الأبيات، ولم يذهب بعيداً!
الثقيل إذا أهدى هدية أذلَّ بها الناس، ويظلُّ يذكر هذه الهدية في مناسبة وغير مناسبة. أهدى ثقيلٌ من الثقلاء لرجلٍ جملاً، فوجدها فُرصة أن يكون ضيفاً عليه حتى أثقل عليه وعلى أهل بيته، فلما أبرمه قال:
يا مُبرماً أهدى جَمَلْ
خُذْ وانصرف ألفي جَمَلْ
قالَ: وما أوْقارُها؟
قلتُ: زَبِيبٌ وعَسَلْ
قال: ومَن يَقُودُها؟
قلتُ له: ألْفَا رَجُلْ
قال: ومَن يَسُوقُها؟
قلتُ له: ألْفَا بَطَلْ
قال: وما لِباسُهم؟
قلتُ: حُلِي وحُلَلْ
قال: وما سِلاحُهم؟
قلتُ: سُيوف وأَسَلْ
قال: عَبِيد لي إذنْ؟
قلتُ: نَعم ثم خَوَلْ
قال: وقد أثقلتكم؟
قلتُ له: فوق الثِّقلْ
قال: فإني راحلٌ
قلتُ: العَجَلْ ثم العَجَلْ!
يا جبلاً مِن جَبَلٍ
في جَبَلٍ فوق جبَلْ!!
قال زياد بن عبد الله: قيل للشافعي: هل يمرض الروح؟ قال: نعم، من ظِلِّ الثُّقلاء. قال: فمررتُ به يوماً وهو بين ثقيلين، فقلت له: كيف الروح؟ فقال: في النزع!
قال صاحبي أبو الطيب:
كَلامُ أكثرِ مَنْ تَلقَى ومَنظَرُهُ
ممّا يَشقُّ على الآذانِ والحَدَقِ!
نعوذ بالله من الثقلاء.. إلى اللقاء!
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا

ألفُ نابٍ!

31 مايو 2017

ماذا تعني؟!

24 مايو 2017

نفحاتٌ أندلسية

10 مايو 2017

سيوف الألحاظ

03 مايو 2017

من عجائب دنيا الناس

26 أبريل 2017