الثلاثاء 16 رمضان / 21 مايو 2019
08:14 ص بتوقيت الدوحة

شقائق النعمان

شذراتٌ من وحي الغربة

شذراتٌ من وحي الغربة
شذراتٌ من وحي الغربة
الغربة.. تلك الكلمة الحزينة المحزنة، التي دارت على ألسنة الشعراء، وشكوها كثيراً، وغربة أبي الطيب لا تخفى، فله في كل بلدة نبأ. سمتْ به همّتُه حتى لا يُعرف ماذا يريد، لكن مطلوبه عظيمٌ:
وَحيدٌ مِنَ الخلاّنِ في كلّ بَلْدَةٍ
إذا عَظُمَ المَطلُوبُ قَلّ المُساعِدُ

ابحث.. ابحث في أفئدتهم عن دفءٍ في ليل الشتاء، لن تجد!.. وعن مأمنٍ لروعك وهمِّك وحُزنك، لن تجد.. من جرّب الغربة، وخلو نفسه من مؤنسها، ذاق طعم هذا البيت، ففي الغربة لا خليلَ ولا حبيب، إنما هي أوهامٌ يركب بعضها بعضاً، وشعاراتٌ هي أشبه بالسراب في رابعة النهار.
وأقساها تلك التي تكون فيها في بلدٍ لا لسانُه لسانُك، ولا وجوه أهله وجهك! ولا شيء فيها يبعث على الحياة، حتى وإن تأملت في جمال شِعابها وشَعبها! فأعجبك حُسنه:
مَغَاني الشِّعْبِ طِيباً في المَغَاني
بمَنْزِلَة الرّبيعِ منَ الزّمَانِ
وَلَكِنّ الفَتى العَرَبي فِيهَا
غَرِيبُ الوَجْهِ وَاليَدِ وَاللّسَانِ!!

قد ينبو بك دهرُك وبلدك، ويصبح حلالاً لكل من أمَّه إلا أنتَ، يحرم عليك حتى هواؤه، فكأنه شجرة دوحة عظيمة تحرم على طيورها، ويحطُّ عليه كلُّ طير، من كل لونٍ، وكل جنسٍ، وكل نوعٍ، ففي هذه الطيور الأبيض والأسود، وفيها خبيث الرائحة واللون والمنظر، وفيها جميل الريش والصوت، وفيها وفيها، إلا أنتَ.. قال شوقي:
أحرامٌ على بلابله الدَّوحُ
حلالٌ للطير من كل جنس؟!
كلُّ دارٍ أحقُّ بالأهلِ إلا
في خبيثٍ من المذاهبِ رجسِ

فكيف إذا كنتَ في غربة الأفكار، أتعلم ما غربة الأفكار؟ هي أن تكون في غربة داخل نفسك، وتحمل أفكاراً هي أرقى ممن حولك، فلا تجد لها في حلوقهم مساغاً، ولا في عقولهم مسكناً، فتصبح بينهم كالذي يُغنّي بين أناسٍ صُمِّ بُكمٍ عُمي فهم لا يبصرون!، وقصارى جهدهم أن يهزوا رؤوسهم غباءً:
أنَا في أُمّة تَدارَكَهَا اللّهُ
غَريبٌ كصَالِحٍ في ثَمودِ!

ما أعجبك يا أبا الطيب، حُسادك اتهموك بادعاء النبوة!
لا يُذلّك إلى طلب الغربة إلا مرارة الزمن، وقسوة الحاجة، فتتلاشى مبادِئُك التي كنتَ تقدسُها، تقديس الفلاسفة لبناتِ أفكارهم، وتبكي على زمنٍ كنتَ فيه تمشي على جسرِ عزة نفسك، فلا تخاف السقوط، ولا أن يخونك الجسر، كنت يا أبا الطيب تأنف أن تتنازل عن العزة، وأن تقبل الظلم:
فلا عَبَرَتْ بي ساعَة لا تُعِزّني
ولا صَحِبَتْني مُهجَةُ تقبلُ الظُّلْمَا

لم تكن وحدك في قولك:
وهكَذا كُنتُ في أهْلي وفي وَطَني
إنّ النّفِيسَ غَريبٌ حَيثُمَا كَانَا!

كان يظنُّ أنه سيجد في غربته عظمة نفسه، ولن يخضع إلا لخالقه:
تَغَرّبَ.. لا مُسْتَعْظِماً غَيرَ نَفْسِه
ولا قابِلاً إلاّ لخالِقِهِ حُكْمَا

فخاب ظنُّه في استعظام نفسه، وبقي له خالقه حاكماً.
ما الذي جعل صدرك ضيقاً حرجاً كأنما يصّعد في السماء يا أبا الطيب؟ قال:
ضاقَ صَدري وطالَ في طَلبِ
الرّزْقِ قيامي وَقَلّ عَنهُ قُعُودِي
إن كنتَ غريباً في وطنك، وغريباً في بلد اغترابك، ولم تجدْ أُنساً ولا أنيساً ولا طمأنينة.. فسلامٌ عليك يوم وُلدت، ويوم تموتُ غريباً!!
نراكم على خير
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا

ألفُ نابٍ!

31 مايو 2017

ماذا تعني؟!

24 مايو 2017

نفحاتٌ أندلسية

10 مايو 2017

سيوف الألحاظ

03 مايو 2017

من عجائب دنيا الناس

26 أبريل 2017