الأربعاء 15 شوال / 19 يونيو 2019
05:48 ص بتوقيت الدوحة

ترمب: أيّ حرب؟

ترمب: أيّ حرب؟
ترمب: أيّ حرب؟
ما زالت العناوين المهلّلة للرئيس الأميركي، دونَلد ترمب، تتصدّر عدداً من الوسائط في دول خليجية، حتى ليخيّل للمرء أنّ القوم ينظرون إليه بصفته «المسيح» أو «المهديّ المنتظر» في آخر الزّمان. ترمب، بحسب تمنّياتهم، رسول الإنقاذ الذي سيقضي على ما سوّلت لهم أنفسهم أنّه «الإرهاب»، وسيبسط موائد المنّ والسلوى، وسيملأ الشرق باللبن والعسل.
ترمب، هو «القائد الملهَم الذي سيفعل المعجزات» بحسب تعبير أحمد الفرّاج، الكاتب في جريدة «الجزيرة» السعودية، وهو الذي سيعلن حتماً جماعة «الإخوان المسلمين» منظّمة إرهابيّة، فليس السؤال: هل سيفعلها؟ «بل متى يفعلها»؟ بحسب ما نشرته جريدة «الشرق الأوسط» للمصري إميل أمين، وهو الذي سيتخندق مع قادة المنطقة العربية، لا لمحاربة المسلمين، بل لمحاربة «الإخوان المسلمين» فقط، كما بشّرنا عبد الله بجاد في «الشرق الأوسط»، «فقد حانت ساعة المواجهة»، ولم تعد «الجماعة مدلّلة» كما يزعم، وهو الذي «اتّخذ القرار الحازم الصحيح» بحظر مسلمين من دول عدّة، بحسب محمد آل الشيخ في جريدة «الجزيرة»، وهو الذي لن «يتفرّج على الفوضى» في المنطقة، ولن يلجأ، كما لجأ سلفه أوباما، إلى «محاباة الجماعات الإسلامية في تونس ومصر»، كما كتب عبد الرحمن الراشد في «الشرق الأوسط» الذي تساءل: «هل نسير خلف ترمب»؟، وردّ بالإيجاب، فمن الخطأ القول إنّ السير خلفه «سير وراء داعية حرب وانجرار خلف مغامرات خطيرة». إنّ بوسع ترمب، كما يقترح منصور النقيدان في جريدة «الاتّحاد» الإماراتية، أن يسعى مع دول في المنطقة إلى إحياء «الإسلام التقليدي المرتكز على التصوّف والروحانيّة الإيمانيّة التي تتوءام مع القيم الأميركية»، والتي لا تتّخذ «تطبيق الشريعة هدفاً لها»، كما تدعو مدرسة «الإخوان المسلمين» التي يجب على ترمب وحلفائه تجفيف مصادر تمويل كل المنظّمات الدائرة في فلكها، بحسب تعبيره.
إنّ الرئيس ترمب أكثر صراحة في الإعلان عن كراهيته للإسلام من هؤلاء الذين يجعلون «الإرهاب» قناعاً يخفون وراءه عداءهم للدين. في إحدى خطاباته، قال ترمب: «ثمّة كراهية عظيمة تجاه الأميركيين تحملها قطاعات عريضة من المسلمين. 25% منهم يوافقون على أنّ العنف ضدّ الأميركيين هنا في أميركا مبرَّر. الشريعة تُجيز قتل غير المسلمين، وقطع الرؤوس...سوف تشاهدون أبراج تجارة أكثر. سوف يسوء الأمر أكثر يا جماعة». هذا ليس تخويفاً من «الإخوان المسلمين»، بل تخويف من «المسلمين». في خطاب تنصيبه، خصّ ترمب «الإرهاب الإسلامي المتشدّد» بوصفه العدوّ الوحيد للولايات المتحدة، ولم يذكر روسيا ولا الصين. قال: «سوف نعزّز تحالفات قديمة، ونشكّل تحالفات جديدة، ونوحّد العالم الحر ضدّ الإرهاب الإسلاميّ المتشدّد الذي سنجتثّه من وجه الأرض»، مضيفاً: «...سوف نحظى بالحماية من الله».
ماذا يعني ترمب؟ أولاً، تعبير «العالم الحر» ليس إلا إعادة صياغة لكليشهات استشراقية وكولونيالية مألوفة تقسّم العالم إلى قسمين: متحضّرين وهمج، مثل «عبء الرجل الأبيض»، و «رسول العناية الإلهية»، وربّما لا يصنّف ترمب العالم الإسلامي جزءاً من «العالم الحر». ثانياً: توحي عبارة «الإرهاب الإسلاميّ المتشدّد» أنّ الإرهاب نابع من الإسلام نفسه، وليس نتيجةً لمظالم واحتلالات وانقلابات، وهي رواية استشراقية روّجها برنارد لويس وزملاؤه مؤدّاها أنّ الإسلام استبدادي بطبيعته، وأنّ العنف كامن في تفاصيله وتاريخه. ولهذا السبب، قاطع الرئيس التركي، أردوغان، المستشارة الألمانية، ميركل، عندما تحدّثت عن «الإرهاب الإسلامي» خلال زيارتها مطلع الشهر الماضي لتركيا، قائلاً: «أرجو عدم استخدام هذه العبارة، ولا يمكنني، بصفتي رئيس جمهورية مسلم، أن أقبل بها أبداً». ثالثاً: استخدم ترمب تعبيراً دينيّاً عندما قال إنّ بلاده ستحظى في مسعاها لاستئصال «الإرهاب الإسلامي» بحماية الله، الأمر الذي يعني أنّ «الله معنا» لا «معهم»، وهو من مصطلحات «الحروب المقدّسة» أو «الحملات الصلبيبة».
الحرب التي يدقّ طبولها ترمب حرب مدفوعة بالكراهية والجهل والأحلام الإمبراطورية والصور النمطيّة، والتصفيق لخطاب هذه الحرب أو تبريره، كما يظهر في جرائد وقنوات خليجية، تضليل خطير، بل تحريض على شنّ حملات سرمديّة، وتحويل بلداننا إلى حمّام دم.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.