الخميس 16 شوال / 20 يونيو 2019
08:54 م بتوقيت الدوحة

شقائق النعمان

جلسة مع المتنبي

جلسة مع المتنبي
جلسة مع المتنبي
يضع يداً على خدٍّ، يتأمل.. اقتربت منه على تخوّفٍ، وألقيتُ السلام، فلا أدري أردَّ السلام عليّ أم لا؟! فقلت: ما لك يا أبا الطيب؟! فقال:
رَماني الدّهرُ بالأرزاءِ حتى
فُؤادي في غِشاءٍ مِنْ نِبالِ
فَصِرْتُ إذا أصابَتْنِي سِهامٌ
تكَسّرَتِ النّصالُ على النّصالِ
قلت: فماذا أقول أنا إذن؟!
أرى الشيب كالنهار في ليل مفرقك يا أبا الطيب، كأنك عشقت البياض حتى في شعر الرأس! فقال:
ضَيفٌ أَلَمَّ بِرَأسي غَيرَ مُحتَشِمِ
وَالسَيفُ أَحسَنُ فِعلا مِنهُ بِاللِمَمِ
ابعِد بَعِدتَ بَياضًا لا بَياضَ لَهُ
لأنتَ أَسوَدُ في عَيني مِنَ الظُلَمِ
بِحُبِّ قاتِلَتي وَالشَيبِ تَغذِيَتي
هَواي طِفلاً وَشَيبي بالِغَ الحُلُمِ!
قلت: لكنك قلت هذا أيام صباك، أما اليوم فلا أظنك تنكره! فقال:
وَلَقَدْ بَكَيْتُ على الشَّبابِ وَلمّتي
مُسْوَدّةٌ وَلِمَاءِ وَجْهي رَوْنَقُ
حَذَراً عَلَيْهِ قَبلَ يَوْمِ فِراقِهِ
حتى لَكِدْتُ بمَاءِ جَفني أشرَقُ!
قلت: ونحن مثلك!
يا أبا الطيب، قيل لنا إنَّك رغم قسوتك على نفسك وعلى من حولك، إلاّ أنك تلين للعيون! فهل صدق من اتهمك؟ فكاد يبتسم، ثم قال:
وأنَا الذي اجتَلَبَ المَنيّةَ طَرْفُهُ
فَمَنِ المُطالَبُ والقَتيلُ القاتِلُ؟!
قلت: ألا تريد أن تعترف بأنك أسير العيون، وأنها هي التي أنزلتك من عليائك رغم تكبرك وتجبرك، فسكت قليلاً.. ثم نطق بزفرة، فكدتُ أحترق:
لعَيْنَيْكِ ما يَلقَى الفُؤادُ وَمَا لَقي
وللحُبّ ما لم يَبقَ منّي وما بَقي!
عندها تقافز دمعي من عينيّ، فلما رآه أكمل:
وَما كنتُ ممّنْ يَدْخُلُ العِشْقُ قلبَه
وَلكِنّ مَن يُبصِرْ جفونَكِ يَعشَقِ!!
قلتُ: عقمت أرحام الأمهات أن يلدن مثلك يا أبا الطيب! ولأنتَ أحقُّ الناس بقولك:
مَضَتِ الدّهُورُ وَمَا أتَينَ بمِثْلِهِ
وَلَقَدْ أتَى فَعَجَزْنَ عَنْ نُظَرَائِهِ!
فأغضى زهواً!
قلت: ذمَّك من عاداك جهلاً حتى أصبح في أُذني وقرٌ من ذمِّهم، وإني لأغارُ عليك أشدَّ من غيرتك على نفسك، فارتاح لكلامي وابتسم، ووضع يده على كتفي، وقال:
وإذا أتَتْكَ مَذَمّتي من نَاقِصٍ
فَهي الشّهادَةُ لي بأنّي كامِلُ!
قلت: لكنهم ترتعد فرائصهم إذا رأوك، فقال:
أبدو فيَسجُدُ مَنْ بالسّوءِ يذكُرُني
فَلا أُعاتِبُهُ صَفْحاً وإهْوَانَا!
قلت: يقال إنك لا ترى شيئاً في هذا الزمان يسحق الحمد، عندما ذمَّ الناسُ فراق الأحبة فماذا قلت؟ قال: قلت:
مَن خَصّ بالذّمّ الفراقَ فإنّني
مَن لا يرَى في الدهر شيئاً يُحمَدُ!
قلت: عذرتك لما عرفتُك، وعرفتُ أنّك والفراق إخوة، توأمٌ، ونحن مثلك، قال: أتعني:
أمّا الفراقُ فإنّهُ ما أعْهَدُ
هُوَ تَوْأمي لوْ أنّ بَيْناً يُولَدُ!
يا أبا الطيب! لم أعتب عليك في شيء مثلما عتبتُ عليك في قولك:
كُلّما جادَتِ الظّنونُ بوَعْدٍ
عَنْكَ جادَتْ يَداكَ بالإنجازِ!
قال: ولم العتبُ؟!
قلت: هل تعني بقولك هذا أنك كلما فكرتَ في ممدوحِك هذا مجرد تفكيرٍ جاءتك عطاياه حقيقة؟!
قال: نعم!
قلت: لو عشتَ في زماننا هذا لما قلتَ هذا البيتَ؛ لأنك لن تجدَ أحداً يستحقه!.
قلت: أسألك بالله، هل مرَّ بسمعك أعظم من شعرك؟! فرفع رأسه عالياً كأنه يخاطب السماء:
ما نالَ أهْلُ الجاهِلِيّةِ كُلُّهُمْ
شِعْرِي، ولا سمعتْ بسحري بابِلُ!
قلت: صدقت والله!.
قلت له: أما قولك في كافور... فقاطعني وقال: دعك من كافور!
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا

ألفُ نابٍ!

31 مايو 2017

ماذا تعني؟!

24 مايو 2017

نفحاتٌ أندلسية

10 مايو 2017

سيوف الألحاظ

03 مايو 2017

من عجائب دنيا الناس

26 أبريل 2017