الجمعة 13 شعبان / 19 أبريل 2019
07:54 م بتوقيت الدوحة

مجرد رأي

شوارع اسطنبول

شوارع اسطنبول
شوارع اسطنبول
استكمالاً لمقالات سابقة كتبتها عبر السنوات الماضية عن «شوارع DC» و»شوارع باريس»، وأسرار تلك المدن التي زرعت فيها من خلال مصممي تلك المدن، اليوم أستكمل تلك السلسلة بمقالي عن «شوارع اسطنبول».
اختار الإمبراطور قسطنطين عاصمته الجديدة في القرن الثالث الميلادي للإمبراطورية الرومانية الشرقية، والتي استبدلت آلهة الرومان والإغريق بالدين المسيحي الجديد في عاصمة الإمبراطورية البيزنطية بيزنطة لتعرف بعد ذلك بالقسطنطينية، وقد اختار الإمبراطور قسطنطين هذا الموقع للتشابه بين هذه المدينة وعاصمة الإمبراطورية الرومانية القديمة في روما، لا سيما السبع تلال المحيطة بها.
وبعيداً عن الشوارع المعروفة اليوم، فإن أولى تلك الطرق، والتي ما زالت بعض آثارها موجودة إلى يومنا هذا طريق «الهيبودروم» والذي يقع اليوم بين مسجد آيا صوفيا ومسجد السلطان أحمد، مروراً بساحة السباق الرومانية الهيبودروم، فعلى هذا الطريق كانت تمر الجيوش الرومانية المنتصرة في عرض عسكري مهيب، وكان هذا الشارع يعتبر أحد الشوارع الإمبراطورية في قلب القسطنطينية القديمة.
ومن هنا ننتقل إلى شارع آخر باسم غربي وتاريخ إسلامي مهم «جادة كينيدي»، والتي سميت بهذا الاسم تخليداً لذكرى الرئيس الأميركي الذي اغتيل عام 1963 في مدينة دالاس تكساس، ولا تكمن أهمية الشارع في اسمه فقط، بل في موقعه، وما كان يقع «تحت» هذا الشارع من تاريخ، فقد بنيت «جادة كينيدي» بين أسوار القسطنطينية ومدخل مضيق البسفور إلى القرن الذهبي، المكان الذي استخدمه السلطان محمد الفاتح لخداع الجيش الروماني، ونقل سفنه براً إلى القرن الذهبي الشيء الذي ساهم في إنهاء الحصار، ويعد لحظة حاسمة في فتح القسطنطينية.
وفي مكان آخر في اسطنبول نجد جادة المشروطية «الدستورية»، وهي الجادة التي كان يرتادها الإنجليز، وبها القنصلية العامة، والتي كانت السفارة البريطانية أو ما سمي بمبعوث المملكة لدى البلاط السلطاني في عهد الدولة العثمانية عندما كانت عاصمة لها، ومن قصص الجادة أن الباشاوات كانوا يرتادون السفارة لتناول ما أسموه «بالمياه الغازية المستوردة»، وكانت هذه الجادة تحمل أماكن تجمع الطبقة المخملية في العهد العثماني، بالإضافة إلى أولى بذور العلمانية ضمن المثقفين في مقاهيها ومطاعمها، وفي الشارع ذاته نجد فندق «قصر بايرا»، والذي يتسم بالزخرفة الفيكتورية كباقي المباني في هذه الجادة حينها، ومن أشهر من سكن ذلك القصر مصطفى كمال أتاتورك، والروائية البريطانية الشهيرة أغاثا كريستي، التي كتبت أثناء سكنها في هذا الفندق روايتها المعروفة «جريمة قتل على قطار الشرق السريع».
وهنا نصل إلى شارعنا الأخير، وفي الحقيقة فإنني سأستخدم الرخصة الأدبية في أن أحيد قليلاً فما سأتحدث عنه هو سكك حديد اسطنبول، لا شارع أو طريق، فقد لعبت سكك حديد اسطنبول والمترو دوراً تاريخياً في القرن التاسع عشر، فمترو اسطنبول هو ثالث أقدم مترو في العالم بعد لندن ونيويورك، وأما سكك الحديد فقد اشتهرت كما في رواية أغاثا كريستي، لكونها البوابة الأوروبية للشرق والبوابة الشرقية لأوروبا، ففي محطتي اسطنبول نجد الرسائل المعمارية كباقي المدينة، فمحطة سيركاجي في الجانب الأوروبي لاسطنبول كانت تمتاز بمعمار شرقي للترحيب بركاب أوروبا، عبر خط قطار الشرق السريع -أفخم سبل السفر في العهد الفكتوري- إلى الشرق، وكانت محطة حيدر باشا في الجانب الآسيوي من المدينة تمتاز بطابع معماري أوروبي، لتكون بوابة أوروبا للمسافرين من الشرق.
الرأي الأخير..
اكتفيت بذكر تاريخ الشوارع الأقل شهرة في مقالي هذا، ولكن لشوارع اسطنبول المعروفة تاريخ طويل ومزدهر لا يمكن أن أحصيه في مقال واحد، فللهندسة المعمارية وتخطيط الشوارع جوانب عديدة منها الظاهر ومنها المبطن، ورسائل معمار وشوارع المدن التي ذكرتها في مقالات سابقة هي الأخرى مثل اسطنبول، تحمل معاني ورسائل لكل زائر من العهد البيزنطي إلى اليوم.
(إذا كانت للإنسان نظرة واحدة فلينظر إلى اسطنبول - لامارتين).
إلى اللقاء في رأي آخر.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا

المناظرة

06 سبتمبر 2016

لأجل كل «عمران»

23 أغسطس 2016