الإثنين 20 شوال / 24 يونيو 2019
01:57 م بتوقيت الدوحة

شقائق النعمان

أحمد أبو دهمان.. والحزام

أحمد  أبو دهمان.. والحزام
أحمد أبو دهمان.. والحزام
أحمد أبو دهمان.. لم أكن أعرفه، لكني دخلتُ ذات مرةٍ بيتي، فألقيتُ السلام على أهلي فلم يردوا عليّ!، ورأيتُ العيون شاخصةً نحو برنامج (من الصفر)، على قناة فضائية شهيرة.. فتنازلتُ عن ردهم السلام عليّ، وقعدتُ بينهم أرى ما يرون؛ غير أني غبتُ عنهم في حديث ضيف البرنامج، الإنسان.. الأديب، الروائي. غبتُ عنهم في نفسي.
لستُ ممن يستهويه أيُّ سردٍ لسيرة شخصٍ ما لم يكن في قامة أبي الطيب الذي تسمونه أنتم المتنبي! إلا أنَّ عظمة أحمد أخذتني بعيداً جداً، إلى زمن الصبا.. هو يتكلم عن نفسه وقريته في (سراة عبيدة) في جنوب السعودية، وأنا أكاد أشمُّ رائحة ضباب تلك البلاد، التي تشابه بلاد غامد وزهران، بلادي.
تحدث بلغةٍ سهلةٍ ممتنعة، في شموخٍ يعزُّ مثله في زمن الانكسار هذا.. هو يتحدث وأنا أتبرع بدموعي التي تسيل في صمتٍ، هل كان يتكلم عني ويسمي نفسَه أحمد؟! هكذا كنتُ أتوهم.
تشابهت أمورنا كثيراً، ذكرياته عن رائحة الأُم، والمزارع، والأقدام الحافية، والدكتوراه! الشهادة المشؤومة عنده وعندي.
لم أروِ ظمئي من ذكرياته، فعمدتُ إلى الحصول على روايته (الحزام) التي نسخت الدكتوراه، فقد ذهبتْ ببركة تشجيع وكيل جامعة الملك سعود! وقرأتُها كاملة في ليلة. لم أنم إلا بعد الفجر.
سكبَ فيها روحَه، منذ زمان (من لا يَعرفْ نسبَه لا يرفعْ صوته)، هذا القول الذي بناءً عليه يكون الإنسانُ آدمياً يستحق الانتماء إلى آدم أو لا ينتمي.
كان يتحدث في التلفزيون بهدوءٍ تخيلته بين الأسطر في روايته، وكأني أرى شيب رأسه وتذكرتك يا أبا الطيب:
خُلِقْتُ أَلُوفاً لَوْ رَجعْتُ إلى الصّبَا
لَفارَقتُ شَيبي مُوجَعَ القلبِ باكِيَا

جعل محورها، (الحزام) القروي وما يحويه من معانٍ، أو (حزام) الشخص العاقل المجنون الحكيم، المتضجر من كل شيء، الذي وقف به تاريخه عند تأسيس البلاد ومؤسسها، ولم يتوقف هو عن إزجاء النصائح.
وكأنني كنتُ حاضراً بين القوم المتفرجين على يوم إعلان الرجولة على الطريقة القديمة، يوم (الختان)، الذي إمَّا أن يكون رفعةً لصاحبه طيلة حياته حتى وإن ذهب بجلده ودمه، أو يخسف به تخوم الأرض إن غلبتْ عليه حينها مشاعر الألم البشري، أو غيره.
آه يا أحمد.. هل غمستَ قلمَك في سويداءِ قلبِك ثم كتبتَ به روايتَك؟ لماذا تنكأُ الجراح؟ فنحن مثلك أهلُ قريةٍ.. مدرستنا، والغنم، والثور، والمزارع، والفقر، والرجولة، والعسل، والسَّمْن، والدقيق، والأساطير التي تسرق من قلوبنا أمنَها، ومغامرات (ليلة التنصّت!)، والريحان، وكتابة الرسائل لأهل السفر، وشجونها!، والجنّ، والمرض، و (حالة العشق المستمرة)!.
وعن الحب لمن وصفتها بأنها (قوس قزح)! هي فيها شيءٌ (ليس في الشِّعر)!، بل هي أعظمُ وأرقى وأرقُّ من كلِّ شعر، هل أعني ما عنيتَ أم أعني (قوس قُزحي) أنا؟!
هل نزعتَ قلبك من بين جنبيك عندما بعثتْ بإشارة الوداع الأخير (خصلة من شَعْرها)؟! وهل بقي لك بعدها قلبٌ؟!
وعن الأب.. والأم، الحبُّ الذي لا يموت.
هاتفتُه ذاتَ صباحٍ فوجدته في (باريس)، فأخبرتُه أني قرأتُ الروايةَ بدموعي، فقال مداعباً: (تستاهل)!
كم أُداوي القلبَ قَلَّتْ حِيلتي
كُلمَّا داويتُ جُرْحاً سَالَ جُرْحُ!
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا

ألفُ نابٍ!

31 مايو 2017

ماذا تعني؟!

24 مايو 2017

نفحاتٌ أندلسية

10 مايو 2017

سيوف الألحاظ

03 مايو 2017

من عجائب دنيا الناس

26 أبريل 2017