الخميس 23 شوال / 27 يونيو 2019
01:13 ص بتوقيت الدوحة

ناضجٌ وقع في الحُب (1)

رجاء البوعلي

الثلاثاء، 27 ديسمبر 2016
ناضجٌ وقع في الحُب (1)
ناضجٌ وقع في الحُب (1)
العلاقة بين القارئ والكِتاب علاقة وثيقة من الحب والإيمان، لتطورها التدريجي عبر تراكم التجارب بين النجاح والإخفاق، لو اعتبرنا أنها علاقات فكرية محسوسة! فالكُتب كائنات حية بعيون القُراء وربما أكثر قيمة وأهمية من كثير من الأجساد الحية، فالعاشق الحق يزهد بكثير من التجمعات البشرية ليحظَ بعناق طويل مع أرفف المكتبات. وعليه؛ فمقارنة الكِتاب بالإنسان لا منطقية ولا مقبولة لدى العامة، فالأول في حقيقته يفتقر لمراكز تماس جسدي ولا يعتبر كائناً حيا أصلا، يمكنك ملاطفته أو ملامسته، لكن بعض المغرمين استأنسوا به وبلغوا حد الانقطاع والانطواء من أجله! فهم يرمون ثقتهم في طيات بعض الكتب ظناً بأنها لا تتغير كما يفعل الإنسان! لكن على الضفة الأخرى هناك جماعات ترى شيئًا مُعاكسًا، مفاده بأن المحتوى المكتوب -وإن بلغت صحته ودقته- مداها إلا أنه قابل للتغيير في المستقبل.
تتعمق العلاقة لتصل مرحلة قصوى؛ كأن تتمنى أن تنام في أحضان الكِتاب، هل تخيلت ذلك؟ هل تراءى لك كتاب على هيئة سرير فاخر مُثخن بالديباج والحرير؟! وأنت تنغمس بين طيات المعرفة! كيف سيغدو صباحك في اليوم التالي؟ الصباحات المعرفية لا يدركها الكسالى ولا الاتكاليون ولا الرتيبون الصم، يستشعرها المرهفون التواقون للبحث والتعلم الجديد. هذه اللحظة المُتخيلة تدفعك للإبحار في الأعماق التي لم تبلغها بعد.
لم تنتهِ القضية بعد، فأنت عاشق مُستأنس يعيش ضمن جماعة لا تؤمن بعلاقة كهذه، رغم إنفاقها الأموال والمجهود الكثيف لتزيين مظاهر العلاقة بين الإنسان والكِتاب (المعرفة) لكنها تنصب الحواجز والمعيقات أمام منحنيات التأثير والتغيير الناجم عن هذا الوصل! وأنت عاشق للمظهر، مُتيم في الجوهر، فكيف تتخلص من رائحة الحبر الذي يختنق بداخلك ويفيض ليفضح الحقيقة؟ حقيقة وقوعك في حب الاكتشاف والتعلم والبحث عن أشياء ما زالت عالقة، فاللحظة العارمة تهزم كل أشيائك الأخرى وتنتصر للكتاب، فما زالت أحاديثه وأسراره تشغل الجزء الأكبر من تفكيرك في وقت العمل، الزيارات الاجتماعية، الواجبات اليومية، وقت الأصدقاء، فماذا يصنع عاشقٌ ليزيلَ أثر القُبلات الصادقة من على جبينه وكفيه؟ بل وكيف ينزع الولع الدافق من عينيه؟
ستلبسك بعض ملامح المعرفة التي استخلصتها إلى الآن، ستنطق بلسانك وتنبض بقلبك وتُسخر عقلك وتوجه تفكيرك! وهنا تقع الكارثة! العالم الجامد حولك لا يُدرك معنى تأثير المعرفة على الإنسان، ولا يستوعب فكرة تسلل الأفكار واحتلالها لمساحة الفكر الحرة، ولا يلفت اهتماما إيجابيا لقيمة تبديل الأفكار وتغييرها البناء، بل هو متوجس جداً من التأثير وقلق على مرحلة التغيير، ولهذا يتأطر حدود البيئة التي تستوعب هذه العلاقة المعرفية كحاجة أساسية للفكر الإنساني.
وهنا يشعُ سؤال: أين موقعك في هذا المحيط؟ كم تجربة عشق -مُشابهة- صادفتها؟ أنت لست وحيداً لكنك أقلية.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.