الأحد 15 شعبان / 21 أبريل 2019
11:23 م بتوقيت الدوحة

عالم الأقطاب

عالم الأقطاب
عالم الأقطاب
منذ نهاية الاتحاد السوفيتي عاش العالم حالة قلما عاشها عبر التاريخ وهي حالة أحادية القطب، أصبحت الولايات المتحدة تملي إرادتها متى شاءت وتترك الساحة للاعبين آخرين متى شاءت، لم يعد هناك تنافس حقيقي في الساحة العالمية، ربما حاولت بعض القوى هنا وهناك إيجاد موطئ قدم ولكن السيادة في النهاية كانت للولايات المتحدة باعتبارها صاحبة النفوذ الأكبر، وصل ذلك إلى مرحلة صار التنافس بين قادة العالم قائماً على أساس من يسمح له بلقاء الرئيس الأميركي أولاً ومن تكون صورته معه أكثر «وداً»، اليوم وبعد 8 سنوات من التقهقر الأميركي والتمدد الروسي يتجه العالم لصورة جديدة، بعد أن كان النظام العالمي الجديد هو القطب الواحد اليوم يطل علينا نظام أجد، عالم الأقطاب المتعددة. ربما يصور لنا أن روسيا قادمة لترث النفوذ الأميركي وهذا جزئياً صحيح وفي مساحات محددة ولكن الواقع هو أن هذا التمدد الروسي لا يمكنه أن يغطي الفراغ الأميركي كاملاً، ومن الصعب تخيل أن لدى روسيا بمشاكلها الاقتصادية والسياسية قدرة على الصمود في إطار توسع عالمي كذلك الذي حققته الولايات المتحدة، كما لا يتصور أن يأفل نجم الولايات المتحدة بين عشية وضحاها، ما زالت هذه الأخيرة تتمتع بموقع عالمي رئيسي عسكرياً واقتصادياً وسياسياً، وهي وإن ضعف تأثيرها إلا أنها ما زالت تمارس نفوذاً عالمياً لا يمكن إنكاره، وفي هذه الأثناء تتحرك قوى أخرى كألمانيا وفرنسا وبريطانيا وتركيا وإيران واليابان والصين خارج حدودها لتأمين مساحات من تلك التي فرغت من النفوذ وتتكون بناءً على ذلك شبكات تحالفات جديدة قد تضم أعداء الأمس.
المستقبل المرتقب ينذر بحالة توتر تنتج عن هذا التدافع الجديد، ويأتي ذلك في ظل صعود اليمين في الغرب والقوى الأكثر تطرفاً في الشرق، هذه القوى ستكون أكثر استعداداً لخوض معارك جانبية لتحقيق المصالح وبسط النفوذ ولا يستبعد أن نشهد فترة من انعدام الاستقرار ليس في بؤر النزاع التقليدية وحسب بل حتى في المناطق التي نعتبرها اليوم مستقرة إلى حد كبير، الفترة القادمة ستشهد محاولات من قوى متوسطة لفرض واقع قائم تكون هي فيه لاعباً أساسياً، وفي الحقيقة بدأ ذلك منذ الآن مع التوسع العسكري التركي وقبله الإيراني ومع بوادر أزمة في بحر الصين بين الصين وجيرانها، هذه المحاولات ستفرز لنا واقعاً مختلفاً عن واقعنا اليوم، واقع يمكن فيه حتى للاعبين صغار نسبياً التأثير بشكل كبير في اللعبة السياسية العالمية من خلال استثمار التحالفات والمصالح المتشابكة بين الكبار، وما يحدث في سوريا اليوم من تنوع الداعمين وتبعثر الجهود السياسية والدبلوماسية هو صورة مبدئية لذلك ستنتشر في نطاقات أخرى من العالم قريباً.
أهم ثلاث مناطق سيبرز فيها هذا التحول هي منطقتنا العربية وبحر الصين وأوروبا الشرقية، في هذه المناطق الثلاث سنشهد نمواً في الأزمات مدفوعاً برغبة لاعبين جدد في الدخول إلى الساحة أو رغبة لاعبين قدامى في تحريك القضايا العالقة، وهنا يكون السؤال، ما هو الموقف الذي ستتخذه القوى الكبرى الممثلة في الولايات المتحدة وروسيا من ذلك؟
الرئيس المنتخب ترمب يعد ناخبيه أن الولايات المتحدة ستعود إلى سالف قوتها في عهده وأنه سينجح من خلال دبلوماسية الصفقات في تحقيق ما فشل فيه سلفه في أزمات العالم، الواقع هو أن المؤشرات الأولية تشير إلى أن ترمب وفريقه سيسهل توجيههم من خلال الأجهزة السياسية للقوى الأخرى، اختيارات ترمب للوزارات الرئيسية ولجهازه الدبلوماسي ضعيفة وغير ذات خبرة في المجال، ما سيسهل على الدبلوماسيات العتيدة المناورة، وفي روسيا وإسرائيل بالتحديد هناك تفاؤل عالٍ جداً بوصول ترمب وهذا التفاؤل له مبرراته وهذه المبررات ذاتها ستستغلها الأطراف المختلفة لتحقيق انتصارات على الأرض دون الحاجة لتقديم تنازلات حقيقية.
خلال أعوام قليلة سيعاد رسم خريطة العالم السياسية سواءً من ناحية النفوذ والوسع أو حتى من ناحية تشكيل الدول والمنظمات الدولية، ومن المؤسف أننا نحن العرب نقف في موقع المتفرج نتيجة الخلافات البينية العديدة والاتكال على النفوذ الأميركي، مستقبل المنطقة الآن سيكون رهينة لنزاع القوى العالمية صغيرها وكبيرها وما لم تتغير الأوضاع قريباً في الداخل العربي سنقع ضحية لطموحات الآخرين كما كنا منذ الحرب العالمية الأولى.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا