الأحد 19 ربيع الأول / 17 نوفمبر 2019
11:07 م بتوقيت الدوحة

تغريبة حلب.. تغريبة العرب والمسلمين

تغريبة حلب.. تغريبة العرب والمسلمين
تغريبة حلب.. تغريبة العرب والمسلمين
ارتكبت روسيا وإيران والنظام السوري للتو جريمة حرب ضد الإنسانية في حلب، وسط موجة عارمة من الإدانات، لكن بلا مساءلة ولا محاسبة.
كان هناك رهان عالمي على شيء من القيم الرادعة، شيء من الضمير، شيء من المسؤولية ينبثق فجأة في عقول المجرمين ليحسبوا ولو بحد أدنى حساب مستقبل سيواجهون فيه عيون العالم وازدراءه. كان هناك رهان على أن عالم 2016 لن يسمح بتكرار مآسي دريسدن الألمانية (1945) أو جروزني الشيشانية (1995) أو سربرنيتشا البوسنية (1995).
لكن هذا الرهان سقط في غزة (2014) مقتلعا بضعة أحياء مع سكانها، وها هو يسقط سقوطا شنيعا في حلب إذ حوّلها الدمار مكانا لا يمكن العيش فيه، لا غذاء لا دواء لا ماء لا كهرباء لا مستشفى لا مدرسة لا إسعاف لا إغاثة.. دمرت المرافق كلها، أسقطت أبنية فوق ساكنيها، استهدفت القنابل الارتجاجية الناس في الملاجئ، وطوردت عربات «الخوذ البيضاء». ولما لم تحصل الوحوش الغازية على «الاستسلام» الذي طلبته راحت تخرج الرجال والنساء والأطفال من البيوت. غضبت الوحوش من اتفاق إخراج أهل حلب ومقاتليها، كانت تبغي قتلهم جميعا، كانت تريدها حرب إبادة، كانت تريد إطلاق النار على المغادرين سيرا على الأقدام إلى حيث قيل لهم إن ثمة نجاة من الموت، لكنها عرقلت مسار الحافلات الخضر، اختطفت العديد من الرجال، لم تكن تريد سوى القتل للقتل، من دون تمييز بين مدني ومسلح.
على أحد جدران حلب، على نافذة أحد باصات الخروج القسري من حلب، كتبت تلك الكلمة المؤلمة الملتهبة: «سنرجع يوما». وتقفز إلى الذاكرات على الفور التغريبة الفلسطينية بما استثارته من مشاعر في الوجدان العربي والإسلامي. لا شك أن أهل حلب استشعروا أن خطواتهم الأولى خارج المسكن والموطن هي خطوات أولى في التغريبة الحلبية، التغريبة السورية، بل التغريبة العربية والإسلامية، نحو الغد المجهول. لم يكن إرهاب مرتزقة بشار الأسد وإيران يشبه في تلك اللحظة في حلب شيئا آخر غير إرهاب عصابات «الإرغون» و «الهاجانا» الصهيونية. الأدوار والأساليب واحدة، كذلك الوحشية والإجرام، استنسخها الأسديون وأتباع إيران في سوريا نقلا عن ملهميهم الإسرائيليين في فلسطين، مضيفين إليها احتفالياتهم الممجدة للخزي والعار، في تصميم مؤكد على موت إنسانيتهم.
طوال الأعوام الستة الماضية لم يكف المجرمون عن «التبشير» بأن «نصرهم» آت، ولم يجدوا الرد أو الردع المناسبين. قالوا إنها «مؤامرة كونية» وإنه «الإرهاب» وإنهم سيهزمونهما، وما انتصر في النهاية هو إرهابهم، بل جاء الروس لنصرتهم ضد شعب سوريا، ولم يفعل الأميركيون سوى التواطؤ مع الروس، لذا كان الصمت الأميركي مدويا لحظة سقوط حلب، وكأنه أعطى ضوءا أخضر إلى الروس كي يجهزوا على المدينة. مع ذلك، لا أحد يعتقد أن ثورة الشعب السوري انتهت في حلب. هناك مرحلة جديدة تبدأ، ويفترض أن الثوار تعلموا فيها من دروس المراحل التي سبقت، ولاسيما من دروس حلب. لكن يفترض أن يكون العرب تعلموا أيضا، لأن الحدث تحد لهم جميعا، بما يعنيه «انتصار» طاغية دموي وتحالفه مع طغاة يجمعون بين الفاشية والطائفية. ذاك أن الإحجام الدولي عن مساعدة الشعب السوري أو العراقي أو اليمني ليس إلا تكرارا ممضا للإعراض عن مساعدة الشعب الفلسطيني.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.