ماذا وراء القصف الإسرائيلي المتكرر لشرق السودان؟

السبت، 09 يونيو 2012 12:00 ص
ماذا وراء القصف الإسرائيلي المتكرر لشرق السودان؟
ماذا وراء القصف الإسرائيلي المتكرر لشرق السودان؟

نشرت جريدة (الشروق) المصرية في أخريات مارس 2009 أن طائرات إسرائيلية قد قصفت في يناير من نفس العام قافلة من السيارات في شرق السودان وقتلت العشرات. بعد تسريب الخبر. خرجت السلطات السودانية عن صمتها، وقال مبروك مبارك سليم وزير الدولة بوزارة النقل –حينها- إن القصف أوقع أكثر من ثمانمئة قتيل من سودانيين ورعايا من دول القرن الإفريقي. ورغم عدم صدور بيانات رسمية عن تل أبيب بخصوص الغارتين لكن تقارير صحافية أشارت إلى اعترافات إسرائيلية صريحة. كما جاء في (التايم) الأميركية نقلاً عن مصادر أمنية إسرائيلية قالت إن عملية جوية كبرى بشرق السودان استهدفت بالأساس تذكير إيران وحلفائها بالقدرات العسكرية والاستخبارية لإسرائيل. كان الخبر مذهلاً للمواطن السوداني فهذه أول مرة يتعامل فيها السودانيون مع مواجهة عسكرية مباشرة مع إسرائيل بعد أن كانت عدواً بعيداً تقف مواجهاته عند دول المواجهة في مصر والأردن وسوريا ولبنان. أثار الخبر ردود أفعال كان أغلبها غير مرحب بجر السودان إلى معركة تضاف إلى متاعبه الكثيرة. دار لغط حول حقيقة التنسيق بين إيران والسودان في تهريب السلاح لحركة حماس في قطاع غزة، خاصة بعد ورود تقارير صحافية تقول إن السودان يشكل منطقة لتهريب السلاح؛ حيث تتركز فيه عمليات نقل الأسلحة التي تمولها إيران، إضافة إلى الأسلحة التي يتم شراؤها في السوق السوداء في اليمن والصومال وإرتريا.. كانت كثير من الآراء تعزو التنسيق المحتمل بين السودان وإيران إلى طريقة الجزر المعزولة في السودان التي تجعل فريقاً من النظام يتعامل في أخطر الملفات من دون علم فريق آخر، خاصة في المهام ذات الطبيعة السرية مثل تهريب السلاح. وظن أهل هذا الرأي أن افتضاح التعاون السوداني الإيراني سوف يوقف التهريب، لكن غارة إسرائيلية أخرى استهدفت في أبريل من العام الماضي مواطناً سودانياً على طريق بورتسودان وقتلته داخل سيارته. وكان من الغريب أن يصرح النائب الفلسطيني إسماعيل الأشقر أن ابن أخيه عبداللطيف الأشقر القيادي في حماس كان المستهدف بعملية الاغتيال. وقد أحرج هذا التصريح السلطات السودانية التي لم تستطع تبرير وجود القيادي الحمساوي في شرق السودان؛ حيث تحوم ريب وشكوك حول تهريب للسلاح عبر المنطقة إلى حماس. كما أفسد تصريح الأشقر تصريحات وزير الخارجية السوداني الذي قال إن دولة الكيان الصهيوني تتوهم أن السودان يدعم بعض الفصائل الفلسطينية. وقال في مقام آخر إن إسرائيل تريد إضعاف فرص رفع اسم السودان من القائمة الأميركية للدول الراعية للإرهاب. استمر هذا المسلسل الغامض باستهداف جديد في الشهر الماضي؛ حيث اغتيل مواطن سوداني آخر في قصف مماثل للذي حدث العام الماضي. أحدث القصف هذه المرة خليطاً من المشاعر تجاه هذا التطور الخطير. فقد أبدى البعض حيرة حيال الأمر متسائلين إن كان تكرار العملية الخطيرة مرده إلى عجز السلطات السودانية عن تأمين الحدود وملاحقة المهربين. أم أن التهريب يتم بعلم ورضا السلطات السودانية التي لا تدرك خطر هذه المغامرة. يرجح كثيرون الاحتمال الثاني ويربطونه مع طريقة الجزر المعزولة التي أشرنا إليها. يعزز هؤلاء رأيهم بأن الحكومة السودانية كانت تتبنى في مرحلة سابقة مواقف متطرفة تقربها إلى الدول (المارقة) والأحلاف التي تقدم نفسها تياراً مضاداً لما تسميه الحلف الصليبي الصهيوني. وتعتبر إيران المعبر الأوضح لهذا التيار. ورغم أن السودان لا يتبنى الآن هذا الخط لكن لا يستبعد بقاء جيوب في النظام تعمل في الخفاء لتعزيز هذا الاتجاه الذي لن يتلاشى بسهولة بعد هيمنة جعلته القابض على مفاصل النظام لفترة غير قصيرة. يرى المرجحون لاحتمال علم ورضا الحكومة السودانية على عمليات تهريب السلاح أن سلوك الحكومة السودانية ضرب من العبث السياسي، خاصة أنه صادر من نظام يعاني مشاكل كثيرة. ويضعه هذا المسلك في مواجهة قوة عسكرية لا قبل له بها. وفوق كل ذلك حدثت تطورات في القضية الفلسطينية تجعل تهريب السلاح إلى فصيل مقاتل من معيقات التوصل إلى سلام دائم حسب رأي فصائل فلسطينية فاعلة على رأسها منظمة التحرير نفسها. إذا واصل السودان السير على طريق اللامبالاة فإنه سوف يدفع أثماناً باهظة، وقد يكون تقاربه مع إيران على حساب علاقاته الإقليمية الراسخة مع مصر ودول الخليج وهي علاقة صاغتها عوامل الجغرافيا والتاريخ والثقافة والدين والمذهب. ويكفي أن نشير إلى الأثر السالب لزيارة الرئيس نجاد الأخيرة إلى السودان؛ ويرى كثيرون أن السودان الذي ورط نفسه في هذه العلاقة الشائكة غير مطالب بإعلان انحيازه الصريح لهذا الحلف أو معارضته لذاك الحلف.. يكفي السودان مع هذا اللغط الكثيف أن يعلن أنه لا يسمح أن تكون أراضيه معبراً للسلاح إلى أي جهة كانت. هذه العبارة القصيرة كافية. لا يحتاج السودان بعدها أن يفصل أن السلاح لن يعبر عبر أراضيه إلى كتائب القسام أو كتائب الأقصى أو جيش الرب أو نمور التاميل. ويخرج بعدها من هذا المأزق الخطير الذي جره إليه جيب متهور من بقايا مرحلة التطرف التي ولت.

  • تعليقات الفيس بوك
  • تعليقات العرب

لا يوجد تعليقات على الخبر.