ضرورة «الفطنة» والسرية المهنية

أخلاقيات وقواعد سلوك رجال العدالة الجنائية

الخميس، 15 سبتمبر 2011 12:00 ص
أخلاقيات وقواعد سلوك رجال العدالة الجنائية

لكل مهنة من المهن الإنسانية مجموعة «أخلاقيات أو آداب مهنية» قد تكون مُدوَّنة على شكل أداة تشريعية (قانون أو نظم أو تعليمات). أو قد تكون متعارفاً عليها عُرفاً متوارثاً عبر السنين. فللطب مثلا وللمحاماة وللصحافة وغيرها من المهن آداب مهنية وأخلاقيات وتقاليد تحكمها نصوص تشريعية، أو أعراف متوارثة خاصة تلك المهن التي يتمتع أصحابها بنفوذ وصلاحيات واسعة ويمارسون عملهم بعيداً عن أية رقابة كالمهن الأمنية. كما أن الاتفاقيات الدولية ذات الصلة بحقوق الإنسان بمختلف تفرعاتها. والاتفاقيات الدولية المنبثقة عنها قد أثرت أخلاقيات وقواعد عمل المهنة القضائية والشرطية بمزيد من القواعد الضبطية، ومحددات العمل، وضوابط التصرف بما يؤمن احترام آدمية الإنسان والتقيد بقواعد الحد الأدنى من السلوك المطلوب في التعامل مع الناس: مهما كانت صفاتهم: متهمين أو مجرمين أو سجناء أو شهودا أو مشتكين أو حتى عابري سبيل! إن العملين الشرطي والقضائي هما من أخطر أنواع العمل في الدولة والمجتمع لتعلقهما بأمن وراحة وسكينة الناس وحرياتهم الشخصية وأمنهم وسلامتهم. ولأن العمل فيهما هو نوع من الولاية التي تخوّل صاحبها صلاحيات واسعة، فلا بد من توافر شروط ومواصفات في رجل القضاء وعنصر الأمن تؤهله للقيام بالمهام المنوطة به. فضلا عن القدرة العقلية والجسدية، والخبرة المهنية. إن الصفات المهنية لرجلي القضاء والأمن تعد أمراً ضرورياً وأساسياً يجب توافره في مهنة تعد من أخطر المهن وأهمها. وهناك جملة من الصفات الأساسية التي يجب أخذها في الاعتبار من خلال الانتقاء والإعداد والتأهيل. وعلى نطاق الوطن العربي، فقد سبق أن أصدر قادة الشرطة والأمن العرب من خلال مؤتمرهم الرابع في عمان بالمملكة الأردنية الهاشمية ما سميت حينها بـ(مُثُل وآداب الشرطة العربية) وكانت قد صيغت بأسلوب أدبيٍّ راقٍ وتضم خيرة الصفات والمثل التي ينبغي أن يتمثل ويتحلى بها رجل الأمن العربي. ولكنها كانت تصلح نصاً أدبياً رائعاً، إلا أنها بهيئتها تلك لم تكن تصلح نصا قانونيا عملياً تنظيمياً. إن الحديث عن أخلاقيات ممارسة العمل القضائي والشرطي يستدعي منا الإشارة إلى خصوصية العمل الشرطي، فالشرطة كأداة وتنظيم عمل هي أشبه بالمدرسة. فالحديث عن أخلاقيات العملين القضائي والشرطي يتطلب أيضاً الإشارة إلى بُعد الثقافة المهنية لعنصريهما والصفات المفترض وجودها لديه، تحدد فعلاً المجال أو البرهان المشترك الذي يتعلق بتنوع وتمايز المجموعة القانونية، وانطلاقاً من هذا الرأي يبرز بُعدان مُهمان وهما: العلاقة بالقانون في مستويين متعارضين أي القانون كواجب وإطار مفروض والقانون كقيمة، والتساؤل عما إذا كان القانون يحد من الفاعلية ودور الفاعلية في حماية القانون. وعلاقة ذلك كله بالتدقيق المهني لرجال القضاء والشرطة. ومن خلال استعراض أبرز الأدبيات العالمية والعربية والنصوص الاتفاقية يمكننا أن نلخص أهم هذه المبادئ والصفات برجال القضاء والآن بالآتي: 1 - الإخلاص والولاء والطاعة وتنفيذ الأوامر الصادرة إليه من مراجعة وفق القانون. 2 - الاستقامة والعدالة، وكلاهما بمعنى واحد فالعدالة تعني الاستقامة على طريق الحق من خلال اجتناب الممنوعات. ولما كانت العدالة نسبية يتفاوت فيها الناس فيلزم انتقاء رجال القضاء والشرطة من بين أكثر الناس استقامة وعدلا. 3 - التحلي بالوقار وعزة النفس في كل الظروف، مع التمسك بالصبر على صعوبات العمل وإرهاق المهمات، وعدم الشعور بالضجر والملل. 4 - عدم التمييز في معاملة الأشخاص أياً كانت جنسياتهم وأصولهم وظروفهم الاجتماعية ومعتقداتهم السياسية والدينية. 5 - الحزم والضبط والاتقان والصرامة، والمضي بالعمل بإتقان من غير تقصير ولا محاباة، بما يحمل الناس على احترامه ومهابته، وفي الوقت نفسه لا بد لرجل الأمن أن يتصف بالرفق ولين القول وطلاقة الوجه والابتعاد عن الفظاظة والغلظة. 6 - خدمة الشعب بأن يكرس رجل الأمن والقضاء نفسه لخدمة المواطن قبل كل شيء، وعند خدمة الجمهور يجب اتباع اللياقة وحسن الاستقبال في المحاكم ومراكز الشرطة، والاحترام المطلق للناس. 7 - حظر جميع أنواع التعسف والتعذيب والإهانة وكل أشكال العنف، ومراعاة حقوق الموقوفين والمحتجزين وأن يعتبر نفسه مسؤولا عن الموقوف وعن حمايته، والالتزام بالمبادئ والمواثيق التي تتعلق بالحقوق الإنسانية الثابتة. 8 - أن يكون رجل القضاء والأمن ورعاً في تصرفاته، والورع ملكة في النفس تحمل صاحبها على اجتناب الشبهات. 9 - التدخل لتقديم العون والمساعدة لمن يحتاجها حتى وإن كان خارج أوقات العمل، وعلى رجل القضاء والشرطة تقديم المساعدة ومنع الأعمال المنافية للنظام العام والتي تلحق الضرر بالأشخاص أو الممتلكات حتى ولو كان في أوقات إجازته أو كان خارج أوقات الدوام. 10 - الصدق في القول والعمل، وهو أمر لازم لنجاح رجل القضاء والأمن. كما يجب أن يتحلى بالأمانة والحفاظ على حقوق الناس وأملاكهم وأماناتهم. وأن يتحلى بالعفة، وهي الكف عما لا يحل ولا يجوز. وحيث إن طبيعة العمل الأمني تتضمن التعرف على أحوال الناس ومراقبتهم في أسواقهم ومحلات عملهم. وهذا يتطلب الاطلاع على الأموال والأحوال الخاصة للناس. فلا بد من العفة لرجل الأمن. 11 - يجب أن يكون استخدام قوة السلاح عند الضرورة القصوى. ووفق ما يجيزه القانون وما يتفق والهدف المقصود. 12 - يتعين على رجل الشرطة مراعاة قواعد الفطنة والحفاظ على السرية المهنية، لذلك ينبغي لرجل الأمن حفظ ما لديه من أسرار ومعلومات وبخاصة ما يتصل منها بخصوصيات الناس. 13 - حسن المظهر والهندام لرجلي القضاء والشرطة لأنهما لازمتان لكسب احترام الناس. 14 - يجب تعليم هذه المبادئ في مدارس ومعاهد وكليات القانون والقضاء والشرطة والحقوق ثم التذكير بها باستمرار من خلال الإعداد الدائم.. أما تنفيذها في مقار العمل فيقع على عاتق رؤساء تلك الأقسام والأمرين والمفتشين. مقترحات وتوصيات لأجهزة القضاء والشرطة ومن أجل ترجمة حقيقية لهذه المثل والمبادئ وطالما نحن بصدد البحث في أخلاقيات ومثل وقواعد سلوك رجال الأمن والقضاء والشرطة، فإننا نختم بحثنا بعدد من التوصيات والمقترحات نضعها أمام المسؤولين عن إعداد وتأهيل القضاة ورجال الشرطة، لأن الالتزام بقواعد الأخلاقيات المهنية شرط لازم لكسب ثقة الجمهور ونجاح رجل القضاء والشرطة في أداء مسؤولياته القانونية والاجتماعية: 1 - العناية في انتقاء العاملين في المجالات القضائية والأمنية وبخاصة ذات الصلة المباشرة بالناس. ومراعاة توافر المواصفات السلوكية والأخلاقية والنفسية. 2 - الاهتمام بتقنين أخلاقيات مهنة الشرطة والقضاء وفق ضوابط وأدوات تشريعية وتنظيمية ملزمة مع وضع الجزاءات على منتهكيها. 3 - الاهتمام بتثقيف رجال الشرطة والقانون بالعلوم والمعارف القانونية والسلوكية ومبادئ وأسس العلاقات العامة وكيفية كسب ثقة الناس ومحبتهم. 4 - حث القادة الأمنيين والقضاة أن يكونوا قدوة حسنة لتابعيهم، إذ لا قيمة للتوجيهات والأوامر والضوابط إن كانت تخرق من قبل الأمرين. وخير النماذج المؤثرة هي القدوات الصالحة. 5 - الاهتمام من خلال الدورات التأهيلية والندوات والبرامج لتطوير المهارات السلوكية لرجال الأمن وإجراء الفحوصات والاختبارات للتيقن من مدى إتقانها وسلوكها. 6 - الاهتمام بالمراقبة والمتابعة والتفتيش وملاحظة تصرفات العاملين والعمل على تقويم السلوك غير المنضبط وتطوير صيغ المراقبة وفسح المجال لتلقي شكاوى المواطنين وملاحظات الإعلام إزاء التصرفات السلبية من لدن رجال الأمن. 7 - تطوير أساليب الترغيب والترهيب والحث على السلوك القويم من خلال المكافأة للمجدين والمحاسبة للمقصرين في الأداء، فالجيدون لا بد أن يثابوا ويكافئوا وينشر هذا التكريم. وكذا المتقاعسون والمقصرون يحاسبون ويوجهون مع تعميم تلك العقوبات لتكون عبرة وعظة ودروسا للغير. 8 - الاهتمام بالجانب الروحي في الأعمال القضائية والشرطوية، وذلك من خلال تعيين المرشدين والوعاظ للتوعية والإرشاد وإلقاء الدروس والمحاضرات التوجيهية. وضرورة ربط رجل الأمن بمخافة الله واستشعار رقابته عز وجل والخوف من حسابه. وبعد إن أخلاقيات المهنة القضائية والشرطية ليست مجرد وصايا تكتب أو أقوال تحفظ، بل هي قواعد سلوك تربوية يجب أن تتم تنشئة القضاة الجدد ورجال الشرطة عليها منذ الساعات الأولى لانخراطهم في العمل القضائي والأمني. ? خبير في الشؤون القانونية والأمنية

  • تعليقات الفيس بوك
  • تعليقات العرب

لا يوجد تعليقات على الخبر.