alsharq

د. علي محمد الصلابي

عدد المقالات 109

رمضان شهر المغفرة وموسم العتقاء

24 فبراير 2026 , 12:04ص

يمضي العمر سريعًا، ولا يبقى للإنسان إلا ما قدَّم من عمل صالح يرجو به رضا الله والنجاة يوم الحساب، ومن كرم الله تعالى أن سخر الله لهذا الإنسان مواسم مباركة تفتح فيها أبواب الرحمة والمغفرة، ومن أعظمها شهر رمضان الفضيل، حيث يأتي شهر رمضان كل عام ليجدد في القلوب معاني التوبة والرجاء، ويفتح أبواب المغفرة والعتق من النار، فهو فرصة عظيمة للفوز الحقيقي والظفر برحمة الله. وإن أسمى ما يتطلع إليه الإنسان في رحلته في هذه الحياة أن يلقى ربَّه وقد نال رضاه، وفاز بجنته، وسَلِم من عذابه؛ فذلك هو الظفر الحقيقي الذي ينبغي أن تتجه إليه الهمم وتُبذل في سبيله الجهود. وقد بيَّن الله تعالى أن معيار النجاح ليس في زخارف الدنيا ولا في متاعها الزائل، وإنما في النجاة من النار ودخول الجنة، فقال سبحانه: {فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ} [آل عمران: 185]. ومن رحمة الله بعباده أن جعل لهم مواسم يتضاعف فيها الأجر وتُفتح فيها أبواب الخير، ويأتي في مقدمتها شهر رمضان، الذي ارتبط في النصوص النبوية بالعتق من النار. فقد روى أبوهريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «إذا كان أولُ ليلة من شهر رمضان: صُفِّدت الشياطين، ومَرَدَة الجن، وغُلِّقت أبواب النار، فلم يُفتَح منها باب، وفُتِّحت أبواب الجنة، فلم يُغلَق منها باب، وينادي منادٍ: يا باغِيَ الخير أقْبِلْ، ويا باغي الشر أقْصِرْ، ولله عتقاءُ من النار، وذلك كلَّ ليلة» [رواه الترمذي، وابن ماجه]. بهذا النداء الإيماني يفتتح النبي ﷺ شهر التنافس في الطاعات، فيُهيئ النفوس للإقبال، ويُبشِّر بزوال كثير من دواعي الشر، وكأن الأبواب تُفتح أمام من أراد السير إلى الله تعالى، وما على الصائم إلا أن يستجيب، فيجعل من أيام الشهر ولياليه محطة تجديد، يكثر فيها من البر ويتجنب أسباب الهلكة. ويبقى باب العتق مفتوحاً طوال الشهر، لا يختص بليلة دون أخرى؛ فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: (إنَّ لله تبارك وتعالى عتقاء في كل يوم وليلة، وإن لكل مسلم في كل يوم وليلة دعوة مستجابة). [رواه أحمد]، وقال ﷺ: (إنَّ لله عزّ وجلّ عند كلّ فطر عتقاء) [رواه أحمد]. ومن أدرك أن رمضان ميدان للنجاة، فعليه أن يسلك الطرق التي توصله إلى هذه المنزلة، فالمغفرة لا تُنال بالتمني، بل بصدق التوجه وكثرة العمل الصالح. وقد ورد في حديث سلمان رضي الله عنه، الذي رواه ابن خزيمة في صحيحه، وفيه كلام لأهل العلم في سنده، أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب في آخر يوم من شعبان فقال: (يا أيُّها الناسُ قدْ أظَلَّكمْ شهرٌ عظيمٌ مبارَكٌ، شهرٌ فيه ليلةٌ خيرٌ من ألفِ شَهرٍ، شهرٌ جعلَ اللهُ صِيامَهُ فرِيضةً، وقيامَ ليلِهِ تطوُّعًا، ومَنْ تَقربَ فيه بِخصلَةٍ، كان كَمَنْ أدَّى فرِيضةً فِيما سِواهُ، ومَنْ أدَّى فرِيضةً فيه كان كمنْ أدَّى سبعينَ فرِيضةً فِيما سِواهُ وهُوَ شهرُ الصَّبرِ والصَّبْرُ ثَوابُهُ الجنةُ وشهرُ الْمُواساة وشَهرٌ يُزادُ في رِزقِ المُؤمِنِ فيه، ومَنْ فَطَّرَ فيه صائِمًا كان مغفِرَةً لِذنوبِهِ، وعِتْقَ رقبَتِه من النارِ، وكانَ لهُ مِثلُ أجرِهِ من غيرِ أنْ يَنقُصَ من أجرِِهِ شيءٌ قالُوا: يا رسولَ اللهِ ليس كُلُّنا يَجِدُ ما يُفَطِّرُ الصائِمَ؟ فقال رسولُ اللهِ: يُعطِي اللهُ هذا الثَّوابَ مَنْ فطَّرَ صائِمًا على تَمْرةٍ، أو شَرْبةِ ماءٍ، أو مَذْقَةِ لَبنٍ، وهُوَ شَهرٌ أوَّلُهُ رحمةٌ، وأوْسَطُهُ مَغفرةٌ وآخِرُهُ عِتقٌ من النارِ، مَنء خَفَّفَ عن مملوكِهِ فيه غفرَ اللهُ لهُ، وأعتقَهُ من النارِ، فاسْتكثِرُوا فيه منْ أربعِ خصالٍ: خَصلَتينِ تُرضونَ بِهما ربَّكمْ وخصلَتينِ لا غِناءَ بِكمْ عنْها. فأمَّا الخصْلتانِ اللتانِ لا غِناءَ بِكمْ عنهُما فتَسألُونَ اللهَ الجنةَ، وتَعوذونَ بهِ منَ النارِ، ومَنْ سَقَى صائِمًا سقاهُ اللهُ من حَوْضِي شربةً لا يَظمأُ حتى يدخلَ الجنةَ). وهذا الحديث ضعيف، لكنه يتضمن معاني تؤكدها نصوص صحيحة أخرى في بيان فضل هذا الشهر العظيم. وفي رمضان تتنوع أبواب الخير؛ من صلاة القيام، إلى الصدقات، إلى الإكثار من تلاوة القرآن والذكر، إلى الجود والإحسان وصلة الأرحام، وتمتاز هذه الأعمال بأن أجرها مضاعف، وأنها سبب في تكفير الذنوب إذا أداها العبد بإيمان صادق واحتساب خالص، وقد قال رسول الله ﷺ: (الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات ما بينهن إذا اجتنبت الكبائر) [رواة مسلم]. فيا من يرجو السلامة والعتق من النار، إن رمضان فرصة لا تُعوَّض؛ فصم نهاره مخلصًا، وقم ليله خاشعًا، وأقبل على ربك بقلب منكسر، وعزيمة ثابتة، لعلَّك تكون من أولئك الذين اختارهم الله للعتق في هذا الشهر المبارك، ففازوا برضوانه ونعيمه المقيم.

فقه التوكل في سورة يوسف.. قراءة تفسيرية في وصية يعقوب عليه السلام لأبنائه

تجسّد وصية نبي الله يعقوب عليه السلام لأبنائه في سورة يوسف نموذجاً بديعاً للتوازن بين الأخذ بالأسباب والتوكل على الله، حيث جمع بين الحكمة البشرية والإيمان العميق بالقضاء والقدر، ففي قوله تعالى على لسان يعقوب...

غزوة تبوك .. مدرسة في الإعداد النفسي والتربية القيادية

تُعدّ غزوة تبوك من أبرز محطات التربية الإيمانية والإعداد العسكري في السيرة النبوية، إذ جسّدت نموذجاً عملياً لإعداد الجيل المؤمن القادر على تحمّل أعباء الرسالة. فقد خرج النبي ﷺ بجيش العسرة في ظروف شديدة القسوة...

غزوة حنين .. درسٌ رباني في أسباب النصر وسننه

تُعدّ غزوة حنين من الأحداث المفصلية في السيرة النبوية التي سجّلها القرآن الكريم لتبقى درسًا خالدًا للأمة عبر العصور، فقد كشفت هذه المعركة عن حقيقةٍ تربوية وإيمانية عميقة، وهي أن النصر لا يتحقق بكثرة العدد...

«ملّة إبراهيم».. طريق التوحيد الخالص وأساس دعوة الأنبياء

ملّةُ إبراهيم عليه السلام أساس رسالة التوحيد التي قامت عليها دعوة الأنبياء جميعًا، فهي الملة التي تدعو إلى إخلاص العبادة لله وحده ونبذ الشرك بكل صوره. وقد أكد القرآن الكريم مكانة هذه الملة وسموّها، مبينًا...

تأملات تفسيرية في سورة البقرة.. الرسالات السماوية ووحدة المصدر والعقيدة

يبيّن القرآن الكريم أصول الإيمان التي يقوم عليها دين الإسلام، ويرسم للمؤمنين المنهج العقدي الصحيح الذي يجمع بين الإيمان بالله تعالى، والإيمان بجميع أنبيائه ورسله وكتبه دون تفريق أو تمييز. ومن الآيات الجامعة في بيان...

سبيل الرشاد في دعوة مؤمن آل فرعون لقومه

عرضت آيات سورة غافر جانبًا مضيئًا من قصة مؤمن آل فرعون، فأبرزت قوة الإيمان حين يقف في وجه الباطل، وصدق النصيحة حين تصدر من قلب مشفق على قومه. ويكشف المقال عن منهجه الحكيم في الدعوة،...

معالم تربية الفرد والمجتمع المسلم في خطبة حجّة الوداع

وصلت الأمَّة الإسلاميَّة في السَّنة العاشرة مرحلةً من النُّضج متقدِّمةً، وكان ذلك يقتضي لمساتٍ أخيرةً، فوسَّع (ﷺ) في العام التَّاسع، والعاشر من الهجرة دائرة التَّلقِّي المباشر، من خلال استقباله الوفود، ومن خلال رحلة الحجِّ، فأوجد...

التكبر عن الحق وأثره في حجب القلوب عن الهداية

يُبرز القرآن الكريم خطورة الجدال في آيات الله بغير علم أو حجة، لما في ذلك من انحراف عن طريق الحق وإصرار على الباطل رغم وضوح الدليل والحجة والبرهان. وذلك في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي...

الانطلاق الحضاري بعد الطوفان.. الأسس الإيمانية والمرتكزات الإنسانية

يمثل مشهد خروج نبي الله نوح عليه السلام ومن معه من المؤمنين بعد الطوفان لحظة فارقة في تاريخ البشرية، إذ يؤذن ببدء مرحلة جديدة من مسيرة الإنسان على الأرض. وقد تجلى هذا المشهد في قوله...

من سمات التجربة الشورية في عهد الصديق رضي الله عنه

كان من ضمن شهداء المسلمين في حرب اليمامة كثيرٌ من حفظة القرآن، وقد نتج عن ذلك أنْ قام أبو بكر رضي الله عنه ـ بمشورة عمر بن الخطاب رضي الله عنه ـ بجمع القرآن، حيث...

فضائل الاستغفار في دعوة نوح عليه السلام لقومه

الاستغفار من أعظم أبواب الرحمة والبركة التي دلّ عليها القرآن الكريم، وقد جعله الله سببًا لانفتاح أبواب الخيرات في الدنيا قبل الآخرة، وتبرز دعوة نوح عليه السلام لقومه نموذجًا واضحًا لارتباط التوبة بنزول الغيث، وزيادة...

فضل القيام في شهر الصيام

قيامُ الليل في شهرِ رمضانَ المبارك عبادةٌ جليلة، تتجلّى فيها معاني الإيمان الصادق والخشوع والأنس بالله تعالى، وإذا كان قيام الليل مشروعًا في سائر العام، فإن له في رمضان خصوصيةً أعظم، إذ يجتمع فيه شرف...